← Blog

فصول من كتاب محاضرات الادباء للراغب الاصفهاني

الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها فمما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى ما يحد به العقل وبنوه والحمق وذووه: قيل: الع...

الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها فمما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى ما يحد به العقل وبنوه والحمق وذووه: قيل: العقل، الوقوف عند مقادير الأشياء قولاً وفعلاً. وقيل: النظر في العواقب، وقال المتكلمون: اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صح تكليفه. وقيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. وقيل: من عقل نفسه عن المحارم، ولذلك لم يصح وصف الله تعالى به. والحمق قلة الإصابة ووضع الكلام في غير موضعه. وقيل: فقدان ما يحمد من العاقل. مدح العقل وذم الحمق قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى. وقيل: الحمق يسلب السلامة ويورث الندامة، والعقل وزير رشيد وظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، ومن عصاه أرداه. وقيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل، ولو صوّر الجهل لأظلم معه النهار؛ وقال المتنبي:لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان حاجة الفضائل إلى العقل قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. وقيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل إشفاء على الهلكة. وقيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه. ذم من له أدب بلا عقل وصف أعرابي رجلاً فقال: هو ذو أدب وافر وعقل نافر.فهبك أخا الآداب، أي فضيلة ... تكون لذي علم، وليس له عقل؟وقيل: ازدياد الأدب عند الأحمق كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلما ازداد رياً ازداد مرارة. حاجة العقل إلى الأدب عاقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح، العقل والأدب كالروح، والجسد بغير روح صورة، والروح بغير جسد ريح. وقيل: العقل بغير أدب كأرض طيبة خربة، وأن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام. ضياع العقل بفقد التقو: قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن إنسان عبادة قال كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل قال: ما أخلقه أن يبلغ، وإن قالوا ليس بعاقل قال: ما أخلقه أن لا يبلغ. وقال الحسين: ثلاثة تذهب ضياعاً: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصل. وقيل: لا تعتدوا بعبادة من ليس له عقدة من عقل. فضل اجتماعهما قال معاوية لرجل حكيم مسن: أي شيء أحسن؟ فقال: عقل طلب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة. عزة العقل كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل، فإنه كلما كثر كان أغلى ولو بيع لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله، أول شرف العقل أنه لا يشترى بالمال. قلة العقل وذويه: قيل لبهلول: عدّ لنا المجانين: فقال: هذا يطول ولكني أعد العقلاء! ومثله وإن لم يكن من بابه: أن رجلاً كتب كتاباً وعرضه على آخر فقال فيه خطأ كثير، فقال الكاتب: علم على الخطأ لا صلحه. فقال: بل أعلم على الصواب فهو أسهل. وقيل لرجل: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعاً في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملاً لا يحد. فضل مصاحبة العقلاء: قال الزهري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل. وقال: عدوك ذو العقل أبقى عليك وأرعى من الرامق الأحمق. تبرم العقلاء بصحبة الجهال: قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء. وقيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل.لم يبل ذو الجهل الذي ... دارت عليه صروف دهرهببلية أشجى له ... من جاهل يزري بقدرهيمضي حكومته عليه ... بجهله وجواز أمره النهي عن مصاحبة الجاهل: قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال، وأنظر إلى السيف ما أحسن منظره. وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح، فإن الفساد أشد التحاماً بالطباع. وقيل: العاقل يضل عقله بمصاحبة الجاهل. استعمال العقل والجهل مع ذويهما: قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته ويجاري الزمان على طريقته:فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمقأحامقه حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل، لكنت أعاقله ذم عاقل متجاهل: قيل: عظمت المؤنة في عاقل وجاهل متعاقل وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. قال المتنبي:ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل ... يرى الناس ضلالاً وليس بمهتد صعوبة مداواة الأحمق: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويهاالمتنبي:ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهمروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام أتى بأحمق ليداويه فقال: أعياني مداواة الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص. وقال الحجاج: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للجاهل المقبل. وقيل: أنك تحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه، وتداويه إلا من حمقه. تعب العاقل واستراحة الجاهل: قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشاً؟ فقال: من كفى أمر دنياه ولم يهتم لأمر آخرته.أبو علي كاتب بكر:من رزق الحمق فذو نعمة ... آثارها واضحة ظاهرهيحط ثقل المرء عن نفسه ... والفكر في الدنيا وفي الآخرةآخر:ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم موصوف بالعقل: كان ابن المقفع والخليل يحبان أن يجتمعا، فاتفق التقاؤهما، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران، فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟ فقال: وجدت رجلاً عقله زائد على علمه. وسئل الخليل عنه فقال: وجدت رجلاً علمه فوق عقله؛ قال بعض العلماء: صدقاً فإن الخليل مات حتف أنفه في خص وهو أزهد خلق الله، وتعاطى ابن المقفع ما كان مستغنياً عنه حتى قتل أسوأ قتلة.الصنوبري:فإن يلتمس يوماً حجاكم فإنكم ... جبال الحجا لكنكم أبحر الجدوىوقال آخر:فإن يك حائلاً لوني فإني ... لعقل غير ذي سقط وعاء. موصوف بالحماقة والجهل: سئل أعرابي عن رجل فقال: لو كان في بني إسرائيل ووقعت قصة البقرة ما ذبحوا غيره!. وقيل: فلان ليس له من عقله فاه ولا من نفسه واعظ. وقيل: أحمق من دغة ومن رخمة؛ وفي الرحمة: إنك من طير الله فانطقي؛ يقال ذلك كناية عن الحمق. خامري أم عامر. وقيل: ليس مع فلان من العقل إلا ما يوجب حجة الله عليه إذا أمر به إلى النار. وقيل: فلان مخدوع من عقله فلا تستعن به،ليس يدري من الجهالة ماذا ... دوّر البعر في بطون الجمالوقال آخر:رب ما أبين التباين فيه ... منزل عامر وعقل خراب!وإذا قيل: فلان سليم الصدر، أو جامح في المسجد، أو هو من أهل الجنة، فهو كناية عن الحمق. تفضيل الجد على العقل: قيل: استأذن العقل على الجد فلم يأذن له وقال إنك تحتاج إلي وأنا لا أحتاج إليك، وافتخر العقل فقال له الجد: أمسك فالك نفاذ ما لم أصحبك. وقيل لأعرابي: فلان أحمق مرزوق.فقال: هذا هو الرجل الكامل: وهيهات الحظوظ من العقول.آخر:وما لبّ اللبيب بغير حظ ... بأغنى في المعيشة من فتيل صعوبة اجتماع العقل والجد: قيل: من زيد في عقله نقص من حظه، وما جعل الله لأحد عقلاً وافراً إلا احتسب عليه من رزقه. وقال شاعر في المعنى:وخصلة ليس فيها من يخالفني ... الرزق والجهل مقرونان في قرن كون الجد من جملة العقل: روي في الخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يزيل نعمة عبد فأول ما يسلب منه عقله. وفي كتاب كليلة: السبب المانع حظ العاقل هو السبب لحظ الجاهل. وسئل بعضهم: العقل أفضل أم الجد.فقال: العقل من جملة الجد. موصوف بالجنون: وكأنه من دير هرقل مفلت ... جرد يجر سلاسل الأقيادآخر:به ما شئت من حمق ... ومن جهل ومن هوجآخر:به طائف من جنة غير معقبآخر:كأنه من شهود الجن محتضر ... وقد رأى عقله منه على سفرويقال: فلان سمين الجهل مهزول العقل.كون الهوى غالباً للهدى:قال عامر بن الظرب: الرأي نائم والهوى يقظان، فإذا هوي العبد شيئاً نسي الله ثم تلا قوله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ العقل صديق مقطوع، والهوى عدو متبوع، كما من عقل أسير في يدي هوى أمير؟ وقيل: الهوى شريك العمى، واتباع الهوى أوكد أسباب الردى.منصور الفقيه:إن المرآة لا تريك خدوش وجهك في صداها وكذلك نفسك لاتريك عيوب نفسك في هواها النهي عن اتباع الهوى: قال الله تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعص هواك والنساء، وأطع من شئت. وقيل: للناس في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام آيات أعظمها قوله تعالى: " إن النفس لأمارة بالسوء " . وقال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فالصواب في مخالفة الهوى؛ قال:من أجاب الهوى إلى كل ما يد ... عو إليه داعيه ضل وتاها النهي عن اتباع هوى غيرك: قال الله تعالى: " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " . وقال: " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " . وقال: " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه " . وقال بعضهم لرجل: إني أهوى أن تقتل فلانا! فقال له: إني لا أدخل النار في هوى غيري وإن كنت أدخلها في هواي. ذم من اتبع هواه: قال الله تعالى: " إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وقيل: اتباع الهوى أوكد أسباب الردى. ووقع عبد الله بن طاهر إلى عامل له:نفسك قد أعطيتها مناها ... فاغرة نحو مناها فاهاوقيل: إن قدمت هواك على عقلك لم تصب رشداً في حياتك، ولا أمناً بعد وفاتك، وأنشد:إن الهوان هو الهوى جزم اسمه ... فإذا لقيت هوى لقيت هوانا حمد مخالفته: قال الله تعالى: " وإما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " . وبعث ملك إلى عابد: ما لك لا تخدمني وأنت عبدي؟ فقال: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. قال: كيف؟ قال لأنك تتبع الهوى فأنت عبده وأنا أملكه فهو عبدي، فقال: صدقت. وقيل: سلطان من ملك الهوى فوق سلطان من ملك الدنيا. ذم من يجهل نفسه: قال أبو علي الوراق: آفة الناس قلة معرفتهم بقدر أنفسهم. قيل لبزرجمهر: أي العيوب أعظم؟ قال: قلة معرفة المرء بنفسه. المتنبي:ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرىوقال سقراط: لا شيء أضر بالإنسان من رضاه عن نفسه، فإنه إذا رضي عنها اكتفى باليسير فعابه كل خطير. مدح من يعرفها: قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقيل: أجمع كلمة قول الحكيم، أفضل العقل معرفة المرء بنفسه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد الله به خيراً فقهه في الدين وعرفه عيوب نفسه. وقيل في قوله تعالى: " وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " معناه: عرفناهم عيوب أنفسهم. وقوف المرء على عيب نفسه: قيل لحكيم: ما أصعب الأشياء؟ قال: معرفة الإنسان عيب نفسه، والإمساك عن الكلام في ما لا يعنيه. وقيل: قد يعرف نقص غيره من لا يعرف نقص نفسه، ولا يعرف نقص نفسه من لا يعرف نقص غيره، فآكل الثوم لا يجد نتن نفسه. الحث على تدبر معايبك: وقال لقمان عليه السلام: لا تدع النظر في مساويك كل وقت لأن ترك ذلك نقص من محاسنك. وقيل: كن في الحرص على تفقد عيوبك كعدوّك. الحث على قذع النفس: قال الحسن رضي الله عنه: أقذعوا هذه النفوس فإنها طلعة. وقال حكيم: لا ينبغي لحكيم أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعة.أبو ذؤيب:والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنعوقيل: العاجز من يعجز عن قذع نفسه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأشدكم؟ من ملك نفسه عند الغضب. النهي عن الركون إلى النفس: قال الجنيد رحمه الله: لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها، فإن لها خدائع وإن سكنت إليها كنت مخدوعاً. وقيل: من رضي عن نفسه سخط الناس عليه. المسرور بأن عرف عيوبه: قال عمر رضي الله عنه: رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا. وقال الحكماء: أنت لا ترى عيب نفسك فسل من ترضى عقله ونصحه يعرّفك. وقال رجل لمسعر: أتحب أن تهدي إليك عيوبك؟ فقال: أما من ناصح فنعم، وأما من شامت فلا. وقيل: ينبغي للرجل أن يكون مرآة أخيه تريه خيره وشره؛ قال الشاعر:أصبحت في هيئة المرآة تخبرنا ... عيوبنا كل ما فينا من الكدر ما جاء في الحزم والعزم وما يضادهما والظن والشك والتثبت والعجلة ماهية الحزم والعزم: قال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة في الأمر؟ قال: إصداره إذا ورد بالحزم. فقال: وهل بينهما فرق؟ قال: نعم أما سمعت قول الشاعر:ليست تكون عزيمة ما لم يكن ... معها من الرأي المشيد رافعفقال: لله درك عشت دهراً وما أرى بينهما فرقاً. وقيل لبعضهم: ما الحزم؟ قال: التفكر في العواقب. النهي عن الدخول فيما يصعب الخروج منه: قال معاوية لعمر بن العاص: ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت في أمر إلا عرفت كيف الخروج منه. فقال: لكني ما دخلت في أمر قط وأردت الخروج منه. وقيل في الحكمة: إن اتسع لك المنهج فاحذر أن يضيق بك الخروج؛ قال الشاعر:وإذا هممت بورد أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المصدر حمد تلقي الأمر بالحزم: قيل: من لم يقدمه حزمه أخره عجزه. من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ. خذ الأمر بقوابله. إن رمت المحاجزة فقبل المناجزة. قبل الرمي تملأ الكنائن. قبل الإقدام تراش السهام. دمت لنفسك قبل اليوم مضطجعاً. اتق العثار بحس الاعتبار. البحتري:فتى لم يضيع وقت حزم ولم يبت ... يلاحظ أعجاز الأمور تعقباآخر:وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا مدح التفكر في العواقب: قال ازدشير: ليس للأيام بصاحب من لم يتفكر في العواقب. يا عاقد اذكر حلاَّ. من لم ينظر في العواقب تعرض لحادثات النوائب. قال الشاعر:ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبداً تبار إقامة العذر باستعمال الحزم: قيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربه وأجهد رأيه، فقد مضى ما عليه وأمن رجوع الملامة إليه. وقيل: من أعجب الأشياء، جاهل يسلم بالتهوّر وعاقل يهلك بالتوقي. كشاجم: وعليَّ أن أسعى وليس عليَّ إدراك النجاح. تفضيل الحزم على الجهل: الحيلة أنفع من الغيلة. قال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك، فالحرب حرب للمتهور وغنيمة للمتحذر. وقيل: الإهتداء لوجه الحيلة، غنيمة جليلة، الموسوي:ولست مقارعاً جيشاً ولكن ... برأيي يستضيء ذوو القراع فضل التدبير وذويه: نظام الأمر التدبير ورأس الأمر التقدير. من فعل بغير تدبير وقال بغير تقدير، لم يعدم من الناس هازئاً ولا حياً. وقيل: فلان يعرف من أين تؤكل الكتف، ويعرف منابت القصيص؛ وهما مثلان يقالان في من يعرف وجه الأمر. الحث على الإشتغال بما يعنيك عما لا يعنيك: قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. وقيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال رجل لأفلاطون: لم تختمت في يمينك؟ فقال: لأعرف المتكلفين ومن يسأل عما لا يعنيه.قال الشاعر:ولا تعترض في الأمر تكفى شؤونه ذم تارك ما يعنيه لما لا يعنيه: ابن هرمة:كتاركة بيضها بالعراء ... ومبلسة بيض أخرى جناحاآخر: هراق الماء واتبع السرابا. عتب من يضر نفسه لنفع غيره: العباس بن الأحنف:صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق ذم الإقتصار على مجرد التوكل: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أرسل ناقتي وأتوكل؛ فقال: بل اعقلها وتوكل. مر الشعبي بإبل قد فشا فيها الجرب فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إن لنا عجوزاً نتكل على دعائها. فقال: اجعل مع دعائها شيئاً من القطران! وفي كتاب كليلة: لا يمنع العاقل يقينه بالقدر من توقي المخوف بل ليجمع تصديقاً بالقدر وأخذاً بالحزم؛ قال الشاعر:والمرء تلقاه مضياعاً لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدراقال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنه حين كره طواعين الشأم ورجع إلى المدينة: أتفر من قدر الله؟ قال: نعم إلى قدر الله. فقال له: أينفع الحذر من القدر؟ فقال: لسنا مما هناك في شيء، إن الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضر، وقد قال تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. وقال تعالى: " خذوا حذركم " . ذم طلب الأمر بعد فوته: قيل لبعض الحكماء: هل شيء أضر من التوانئ؟ فقال: الاجتهاد في غير موضعه. وقيل: العجز عجزان عجز التقصير وقد أمكن، والجد في طلبه وقد فات؛ أخذه الشاعر فقال:تتبع الأمر بعد الفوت تغرير ... وتركه مقبلا عجز وتقصيروقيل: شر الرأي الدبري؛ قال الشاعر:أصبحت تنفخ في رمادك بعدما ... ضيعت حظك من وقود النار الأمر بترك التلهف على ما فات: قال الله تعالى: " لا تأسوا على ما فاتكم " . قيل أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك. إن ليتاً وإن لواً عناء.؟؟؟؟؟؟ إظهار الندامة والتأسف: قال الشاعر:عضضت أناملي وقرعت سنيالكسعي وخبره المشهور:ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسيتبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسيوهذا هو المضروب به في الندامة، وإياه عنى الفرزدق بقوله:ندمت ندامة الكسعي لمل ... غدت مني مطلقة نوارصخر بن عمرو:أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوانوآخر كنت كناشب في الوحل ينوي ... نهوضا، وهو يزداد ارتطاما؟؟ مدح من لا يندم فيما يباشره: أبو الأصمع:لا ينهض العجز في أعقاب نهزته ... ولا يصاحب عزماً حين يحتزمالمتنبي:فما تكشفك الأعداء عن ملل ... من الحروب ولا الآراء عن زللالموسوي في مدح بعضهم: في قرعه سنه لا يطمع الندم. النهي عن الأغترار: في المثل: عش ولا تغتر.وقيل: برد غداة غر عبداً من ظما. وقيل: الفرار بقراب أكيس. وقيل: لا تكن كمن أراق الماء واتبع السراب. الأمر بالإقدام بعد الإتضاح والمدح بذلك: روّ بحزم، إذا استوضحت فاعزم. وقيل: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع فيه. وقيل: أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان والتأني بعد الفرصة؛ قال الشاعر:وواقف عند الأمر ما لم يضح له ... وامضي إذا ما همّ من كان ماضيا مدح التجارب: التجارب ليس لها نهاية، والمرء منها أبداً في زيادة. وقيل: العقل كالسيف والتجربة كالمسن. وقيل: التجارب مرائي الغيوب ونواظر العيوب. مدح مجرب: قيل: فلان حلب الدهر أشطره، وهو شراب بأنقع، وهو مؤدم مبشر؛ قال الشاعر:حلبت الدهر من عسل وصاب ... وذريت الزمان بكل ريحومدح أعرابي قوماً فقال: أدبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة. ذم غير مجرب: قيل: فلان غفل لم تسمه التجارب ولم تفترعه النوائب، وغفل لم تسمه النوب ولم يعض غاربه القنب. وصف أعرابي والياً مغتراً فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان، ولم يخف من عاقبتها الخمار. المصيب بظنه: قيل: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم. وقال عليه الصلاة والسلام: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. وكأن عمر رضي الله عنه يقال له المحدث لصحة ظنه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر.ويقال: فلان ألمعي. وقيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته؛ قال الشاعر:إذا ما ظن أعرض أو أصاباوقال:نجيح مليح أخو مارق ... يكاد يخبر بالغائبالبحتري:وإذا صحت الروية يوما ... فسواء ظن امرىء وعيانهالموسوي:ولا علم لي بالغيب إلا طليعة ... من الحزم لا يخفى عليها المغيب مدح الشك وسوء الظن: قيل: بوحشة الشك ينال أنس اليقين. وقيل: عليك بسوء الظن فإن أصاب فالحزم، وإن أخطأ فالسلامة؛ قال:وحسن الظن عجز في أمور ... وسوء الظن يأخذ باليقينوقيل: من أطال الركون قل ركونه. وقول الله تعالى: " إن بعض الظن إثم " دلالة على أن جله صواب. وقال عبد الملك: فرق ما بين عمر وعثمان، أن عمر أساء ظنه فأحكم أمره، وعثمان أحسن ظنه فأهمل أمره. وقيل لبعضهم: أسأت الظن، فقال: إن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا. أبو محمد الخازن:وما شكي وإن أكثرت إلا ... محاماة على الشيء اليقين ذمهما: قال الله تعالى: " اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم " . وقال شيخ لرجل: أظنك كاذبا؛ فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه؛ وقال: وأضعف عصمة عصم الظنون.المتنبي:إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم مدح التغافل: سئل حكيم: ما اللبيب؟ فقال: الفطن المتغافل. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد قال يزيد: يا أبت ما أدري أنخدع الناس أم يخدعوننا بما يأخذون منا فقال: يا بني من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. وقيل: إذا أردت لباس المحبة فكن عالما كجاهل. وقيل: من تغافل فعقلوه ومن تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة، قال الشاعر:ليس الغني بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابيولأبي فراس وقد أجاد:تغابيت عن قومي فظنوا غباوتي ... بمفرق أغبانا حصى وتراب من لا يخدع لعقله: قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلم عمر رضي الله عنه إلا رحمته، لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحدا لفطنته؛ وقال إياس بن معاوية: لست بخب ولا الخب يخدعني.وقيل لرجل: فيك فطنة. فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا مدح التثبت: قال الشعبي: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص: لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما دخل الرفق في شيءٍ إلا زانه ولا الخرف إلا شانه؛ قال الشاعر:لا تعجلنّ فربما ... عجل الفتى في ما يضرهالموسوي:وشوكة ضغن ما انتقشت شباتها ... ذهاباً بنفسي أن يقال عجول مدح العجلة: لأبي العيناء وقد قيل له: لا تعجل فالعجلة من الشيطان فقال: لو كان كذلك لما قال نبي الله موسى عليه السلام: وعجلت إليك ربي لترضى. وقيل: المتأني في علاج الداء بعد أن عرف الدواء كالمتأني في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه. وسأل أبو علي البصير ابن منارة، حاجةً فقال: رح إلى وقت العصر، فجاء وقت الظهر فقال: ألم أعدك وقت العصر؟ فقال: نعم ولكن رأيت الإفراط في الاستظهار أحمد من الاستظهار في التواني. ما تحمد فيه العجلة: قال معاوية: ما من شيء يعدل التثبت. فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك: تعجل إخراج ميتك، وتنكح الكفء ابنتك. مدح انتهاز الفرصة: الهيبة خيبة والفرصة تمر مر السحاب. وقيل: انتهز الفرصة قبل أن تعود غصة الافتراص اقتناص. وقيل: الفرصة ما إذا أخطأك نفعه لم يصبك ضره. التفكر في العواقب: قيل: إحمد تغنم ولا تفكر في العواقب فتهزم؛ قال الشاعر:إذا حدثته النفس أمضى حديثها ... وهان عليه ما يرى في العواقبوقيل: من تفكر في العواقب لم يشجع في النوائب. طلب الأمر بالمداراة: قال الأحنف: عجبت لمن طلب أمراً بالمغالبة وهو يقدر عليه بالملاينة، ولمن طلب أمراً بخرق وهو يقدر عليه برفق. وقيل لبعضهم: ما الدهاء؟ فقال: قتل العدوّ في لطف. مدافعة العدو بالمداراة: في كتاب كليلة: لا تسلم من العدو القوي بمثل التذلل والخضوع، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها أينما مالت به الريح ساعدته؛ أخذه ابن الرومي فقال:كالريح والزرع استكان لمرّها ... وعتت فلم نقدر على تقصيفهكم قد نجا منه الضعيف وما نجا ... منه العنيف بلفه ولفيفهوتهاتن الجذع الأبي مهزه ... فأتت عليه ولم ترع لخفيفهولهذا الباب نظائر في العداوات. الجهل بمستقبل الزمان: قال الله تعالى مخبراً عن النبي عليه السلام: " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء " .القطامي:وما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرى ... ولا الشر حتى تستبين دوائرهآخر:تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها ومما جاء في المشاورة والإستبداد بالرأي الحث على مراجعة الأوداء ومدح المشاورة قال الله تعالى: " وشاورهم في الأمر " . وقيل: من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: المشاروة حصن من الندامة وأمن من الملامة. وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة. وقيل: الرأي الواحد كالسجيل، والرأيان كالحيطتين، والثلاثة أمداد لا ينقض. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد،، الأحمق من قطعه العجب على الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة. من شاور الأوداء أمن من الأعداء. نصف رأيك مع أخيك فاستشره. الحث على مشاورة الحازم اللبيب: قال الجاحظ: أحسن ما قيل في المشورة قول بشار:إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازمولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادموقوله:ولا كل ذي رأي بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيبولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيبعبد الله بن معاوية:وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور نبيهاً ولا تعصبهوقال عمر رضي الله عنه، الرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه، ورجل إذا أحزنه أمر أتى ذا الرأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتي رشداً ولا يطيع مرشداً.الحث على استشارة الكبار:قال زياد لأبي الأسود: ولولا أنك كبرت لاستعملتك واستشرتك. فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس في، وإن كنت تريد الرأي فهو وافي. وقيل: زاحم بعود أودع. وقيل: عليك برأي الشيوخ فقد مرت على وجوههم عيون العبر وتصدعت لأسماعهم آثار الغير. الحث على استشارة الصغار: قال هرم: عليكم في المشاورة بالحديث السن الحديد الذهن. وقيل: رأي الشيخ كالزند قد انثلم ورأي الشاب كالزند الصحيح الذي يوري بأيسر اقتداح. الحث على مشاورة للعدو: في كتاب كليلة: لا ينبغي للعاقل أن يترك استشارة عدوه ذي الرأي فيما يشركه ذلك العدو في نفعه وضره. وقيل: استشر عدوك تعرف مقدار عداوته. من يجب أن تجتنب مشاروته: قال قيس لابنه: لا تشاورن مشغولاً وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهيماً، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً، ولا مهموماً وإن كان فطناً، فالهم يعقل العقل، ولا يتولد منه رأي، ولا تصدق منه روية. وقيل: لا تدخل في مشورتك بخيلاً فيقصر بفعلك، ولا جباناً فيخوفك، ولا حريصاً فيعدك ما لا يرتجى، فالجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن. وقيل: لا تشاور من ليس في بيته دقيق. وكان كسرى إذا أراد أن يستشير إنساناً بعث إليه بنفقة سنة ثم يستشيره. وقيل: لا تشيرن على معجب ولا متلون، وخف الله من موافقة هوى المستشير. وقيل: إياك ومشاورة النساء فرأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: شاوروهن وخالفوهن. وقال: لا تستضيئوا بنار المشرك أي لا تستشيروه. المستدعي المشورة: قال عمر رضي الله عنه: صاحب الحاجة أبله لا يرشد إلى الصواب، فلقنوا أخاكم وسددوا صاحبكم. أعرابي:دلا على حيلة فيها لنا فرج ... إذ الدليل على خير كمن فعلاآخر:خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان الحث على نصيحة مستشيرك: قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الرجل لا يزال في صحة رأيه ما نصح مستشيره، فإذا غش مستشيره سلبه الله صحة رأيه. ولما أصاب زياد الطاعون في يده أحضر له الأطباء فدعا شريحا فقال له: لا صبر لي على شدته وقد رأيت أن أقطعها. فقال شريح: أتستشيرني في ذلك؟ قال: نعم، فقال: لا تقطعها فالرزق مقسوم والأجل معلوم، وأن أكره أن تقدم على ربك مقطوع اليد، فإذا قال لك لم قطعتها، قلت بغضاً للقائك، وفراراً من قضائك، فمات زياد من يومه. فقال الناس لشريح: لم نهيته عن قطعها؟ فقال: استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوماً ورجله يوماً. وقال يحيى: لا تشيرن على عدوك وصديقك إلا بالنصيحة، فالصديق يقضي بذلك حقه، والعدو يهابك إذا رأى صواب رأيك. من يجب أن يشار عليه إذا استشار: قيل: لا تشر على مستبد، ولا على وغد، ولا على لحوح، ولا معجب، ولا على متلون، وخف الله في موافقة المستشير، فالتماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة. وقيل: من طلب الرخص من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبه، فقد خدع نفسه.من ضرب لمستشيره مثلاً صمم في مشورته:شاور المنصور سلم بن قتيبة في قتل أبي مسلم صاحب الدولة فقال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فقال: عيشك. واستشار فيه آخر فقال: ولن يجمع السيفان ويحك في غمد. واستشار معاوية الأحنف في بيعة يزيد فقال الأحنف: أنت أعلم بليله ونهاره وسره وإجهاره، فإن كنت تعلمه له أيضاً وللأمة صلاحاً فلا تشاور فيه أحداً، وإن كنت تعلم غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول، سمعنا وأطعنا. الممدوح بأنه مستشار: امرأة من إياد:المستشار لأمر القوم يجزئهم ... إذا الهنات أهم القوم ما فيهاأبو تمام:يطول استشارات التجارب رأيه ... إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا الرغبة في الإستبداد بالرأي: قال بعض الحكماء: ما استشرت أحداً قط إلا تكبر علي وتصاغرت له، ودخلته العزة وأدركتني الذلة، وإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب. وكانت الفرس والروم مختلفين في الإستشارة فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير. وقالت الفرس: نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة وفضل الفرس لقوله تعالى: " وشاورهم في الأمر " . وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله:يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ... ولا ينتحي الأدنين فيما يحاولفاستوى جالساً وقال: أصبت والله فاستشار بعد ذلك. وقال بعض جلساء هارون: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أني رأيت الرشيد يوماً وقد تنفس تنفساً مفكراً، فانشدت في أثره:واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدفأصغى إليه واستعاده، قتل جعفر أبعد عن لبث. وقال المهلب: لو لم يكن في الإستبداد بالرأي إلا صون السر وتوفير العقل، لوجب التمسك بفضله. المتفادي من أن يستشار: استشار عبد الله بن علي عبد الله بن المقفع فيما كان بينه وبين المنصور فقال: لست أقود جيشاً، ولا أتقلد حرباً، ولا أشير بسفك دم، وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان. واستشار زياد رجلاً فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر، ولا أراني هناك. واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم من يوم الكلاب فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني وليس معي الذهن ما ابتدىء به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا فإني إذا مر بي الصواب عرفته.مما جاء في وصف العلم والعلماء مدحاً وذماً ووصف الحفظ والنسيان عز العلم: قال الله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " . وقال: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم " . وقال الإمام أبو حنيفة: إن لم يكن العلماء أولياء الله في الأرض فليس لله فيها ولي. قال الأحنف: كل عز لم يؤيد بعلم فإلى ذل يصير. وقيل: العلم يوطىء الفقراء بسط الملوك. الأدب كالحسب: قيل: من نهض به أدبه لم يقعد به حسبه. وقيل: شرف الحسب يحتاج إلى شرف الأدب، وشرف الأدب مستغن عن شرف الحسب. وقال الأحنف: من لم يكن له علم ولا أدب لم يكن له حسب ولا نسب. وقال شاعر:كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسبأخر:ما ضر من حاز التأدب والنهى ... أن لا يكون من آل عبد مناف؟ البالغ بعلمه مبلغ الملوك: قيل: لما وقعت الفتنة بالبصرة ورضوا بالحسن اجتمعوا عليه وبعثوا إليه، فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أرباباً، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب؟ وقيل: تعلموا العلم فإنه يوطىء المساكين بسط الملوك. ونظر عمر رضي الله عنه إلى رجل في هيئة نفيسة فقال: ألست ابن قيس بالبصرة؟ قال: نعم، ولكني كاتب، فقال: لله در العلم ما زال يرفع أهله؛ قال الشاعر:العلم يرفع بالخسيس إلى العلا ... والجهل يقعد بالفتى المنسوب قيمة المرء علمه: قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: قيمة كل امرىء ما يحسنه؛ وأخذ ابن طباطبا هذا المعنى فقال:حسود مريض القلب يخفى أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينهيلوم علي أن رحت في العلم دائباً ... أجمع من عند الرواة فنونهفيا عاذلي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه فضل العلم على المال: قال عبد الملك: اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها، قيل: ما هي؟ قال: الأدب. ولصالح بن عبد القدوس:قد يجمع المرء مالاً ثم يسلبه ... عما قليل فيلقى الذل والحرباوجامع العلم مغبوط به أبداً ... فلا يحاذر منه الفوت والطلباوقيل: العلم ميراث غير مسلوب، وقريب غير مغلوب. وقيل: الفضيلة بكثرة الآداب لا بفراهة الدواب. وقال الجنيد: من فضيلة العلم على المال أن الله فهم سليمان مسألة فمنَّ عليه وقال: " ففهمناها سليمان " ، وأعطاه الملك ولم يمن عليه بل قال: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " . من ذمه وفضل المال عليه: قال الشاعر:ما المرء إلا بما يحوي من النشبآخر:لا تغبطن أديباً ما له نشب ... لا خير في أدب إلا مع النشبجحظة:إن الزمان لمن تقدم ... في النباهة منقلبالبديعي:أكثر المقتفين للعلم وإلا ... داب في ذلة وفي ملاق وصف العلم بأنه يورث الغنى: قيل: الأدب يجلب الجمال ويفيد المال. وقيل: من لم يفد بالأدب مالاً استفاد به جمالاً. وفي كتاب كليلة: العالم إذا افتقر فعلمه الذي معه يقويه كالأسد معه قوته التي يعيش بها حيث توجه.قال الأصمعي لرجل: ألا أدلك على خليل إن صحبته زانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن استعنت به أعانك؟ قال: نعم. فقال: عليك بالأدب. وصفه بأنه يورث الزهد: العلم يزهد في الدنيا الضارة ويرغب في الآخرة السارة.وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تعلموا العلم فإنه عون للفقير، أما أني لا أقول يطلب به الدنيا ولكن يدعوه للقنوع. قلة الاعتداد بالخلو من العلم: كان الوليد يلاعب عبد الله بن معاوية بالشطرنج، فاستأذن عليه ثقفي موصوف بالثروة، فستر الشطرنج بمنديل، فلما دخل وجلس استنطقه فقال: أحفظت القرآن وشيئاً من فقه؟ قال: لا. قال: أفرويت شيئاً من الآثار والأشعار وأيام العرب؟ قال: لا. فكشف الشطرنج وقال: شاهك فنحن في خلوة. ودخل حكيم خلو من العلم، فرأى أثاثاً وهيئة فاخرة، وأراد الرجل الداخل أن يبزق بزقة فبزق في وجه الرجل، فقيل له: ما تفعل؟ قال: نظرت فلم أجد في هذه الدار أخس منه لخلوه من المعاني الفاضلة، وإنما يرمى بالبزاق إلى أخس المواضع، فلذلك رميت به في وجهه. تلذذ العلماء بعلمهم: كان أبو حنيفة رحمه الله إذا أخذته هزة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه؟ لو فطنوا لقاتلونا عليه. وقيل: من خلا بالعلم لم توحشه الخلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته السلوة. وقيل لابن المبارك: من تجالس؟ فقال: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إني أنظر في كتب آثارهم وأخبارهم. التناسب في العلم: قيل لعالم: أي المناسبة أخلد؟ فقال: مناسبة العلم التي غذتها عواطف الشيم. وقيل للنوفلي: ما بلغ من شهوتك للعلم؟ قال: إذا نشطت فلذتي، وإذا اغتممت فسلوتي.أبو تمام:وقرابة الآداب تقصر دونها ... عند الأديب قرابة الأرحامالصولي:إن الكتابة والآداب قد جمعت ... بيني وبينك يا زين الورى نسباوقيل: لا ينبغي للأديب أن يخالط من لا أدب له، كما لا ينبغي للصاحي أن يناظر السكران. مدح صيانة العلم: وجه الرشيد إلى مالك بن أنس رحمه الله ليأتيه فيحدثه فقال مالك: إن العلم يؤتى! فسار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين، من إجلال الله تعالى إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه وبعث إلى سفيان بن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدثه، فقال الرشيد بعد ذلك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به. وفي أمثال العرب: إن الثعلب والغراب تحاكما إلى الضب فقالا: أخرج واحكم بيننا، فقال: في بيته يؤتى الحكم. وقال لقمان لابنه: صن علمك فوق صيانة نفسك. وقيل: لم ير أفضل من الخليل في التلطف عن الكسب بالعلم، كان الناس يأكلون بعلمه وهو في خص له، وخرج إلى مكة والناس يقولون في الحرمين: قال الخليل وذكر الخليل، ورجع إلى البصرة ولم يعلم بمكانه. قال الشيخ رحمه الله: ومن ملك نفسه هكذا فحقيق أن يقال رجل فضل وصدق. وللقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدماولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظماولكن أهانوه فهانوا، ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما لهي العلماء عن التهافت على باب السلطان: قال بعض العلماء: شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء، وشرار العلماء أقربهم إلى الأمراء. ودنا سقّاء من فقيه على باب السلطان فسأله عن مسألة فقال: أهذا موضع المسألة؟ فقال السقّاء: أو هذا موضع الفقيه؟ وكتب عبد الله المبارك رحمه الله إلى ابن علية حين ولي صدقات البصرة:يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكيناحتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين!فأين ما كنت واعظاً ... من ترك أبواب السلاطين؟إن قلت أكرهت فما هكذا ... زل حمار المعلم في الطين من زان علمه بعمله: قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: أعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فرواية العلم كثيرة ورعايته قليلة. كثرة العلم في غير طاعة الله مادة الذنوب. وقيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. ذم من شأن علمه بتقصير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشد الناس عذاباً يوم القيامة، عالم لا ينتفع بعلمه. وقال عليه السلام: أشد الناس ندامة عند الموت العلماء المفرطون. وقال صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وأعوذ بك من شر هؤلاء الأربع. كتب الشافعي رضي الله عنه إلى عالم: قد أوتيت علماً فلا تطفىء نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم. تفضيل العلم على العمل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فقيه واحد أشد على الشياطين من ألف عابد. وقال صلى الله عليه وسلم: عمل قليل في علم خير من كثير منه في جهل. وقال الحسن رضي الله عنه: أدركت قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح. ذم شره العالم وطلب الدنيا بالعلم: قال صلى الله عليه وسلم: من ازداد في العلم رشداً ولم يزدد في الدنيا زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً. وروى في الخبر: من آتاه الله علماً فلم يتنزه به عن الدنيا كتب بين عينيه: الفقير إلى يوم القيامة. قال مالك: قلت للحسن، ما عقوبة العالم؟ قال: موت قلبه. قلت: وما هو؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة. قال بعض الأدباء: لأن تطلب الدنيا بأقبح من تطلب به أحسن من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. قلة العلم وكثرة الجهل: الطائي:أبا جعفر إن الجهالة أمها ... ولو دوام العلم جداء حائلعلقمة:الجهل ذو عرض لا يستزاد له ... والحكم آونة في الناس معدوم مدح الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من حفظ حديثاً واحداً من أمر دينه أعطاه الله أجر سبعين صديقاً. وقال صلى الله عليه وسلم: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعث يوم القيامة فقيهاً. وقال ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم ارحم خلفائي. فقلت: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون الأحاديث بعدي. ذمه وذم أصحابه: قال شعبة: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ وقال محمد بن مطيع: رأيت الحسن بن زياد أسوأ الناس صلاة، فعاتبته فقال: ما طلب الحديث أحد إلا ساءت صلاته! وقال عمرو بن الحارث: ما رأيت علماً أشرف ولا أوضع أهلاً من الحديث، وهم شر خلف من خير سلف. مدح الإسناد: قيل: الإسناد قيد الحديث. وقيل: الحديث من غير إسناد كالجمل بلا زمام وخطام. وصف أعرابي رجلاً فقال: ما أحسن حديثه لو أن له سلاسل يقاد بها، يعني الأسانيد؛ قال:ونص الحديث إلى أهله ... وإن الأمانة في نصهوقيل في قوله تعالى: " أو أثارة من علم " إنه الأسانيد. ذمه: طلب رجل من الحسن إسناد حديث، فقال: وما تصنع به، وقد نالتك عظته، وقامت عليك حجته؟ وقيل لرجل: كتبت حديثاً بغير إسناده؛ قال: إني أريده للعمل لا للتسوق والتجمل. وسأل رجل آخر عن إسناد شعر فقال: والله ما تركت الحديث إلا بغضاً للإسناد، وأنت تسألنيه في الأشعار! مدح النحو: النحو نصاب العلم ونظامه وعموده وقوامه، ووشي الكلام وحلته وجماله وزينته. وقيل: النحو يرفع الوضيع ويخفض الرفيع، وكان معلم الرشيد يضرب على الخطأ واحداً وعلى اللحن سبعاً. ذمه: نظر بعض الرؤساء إلى ابنه وهو ينظر في كتاب سيبويه فقال: أف لك! علم المؤدبين وهمة المحتاجين. وقيل: من كثرت عليه العربية أظلمت عليه الروية. وقيل: إذا كتبت كتاباً فالحن فيه فإن العربية مجدودة. ومما يتصل بهذا الباب أن بعض الفصحاء كان يدخل على بعض عمال البصرة وهو يعرب في كلامه، فقال له يوماً: إن لم تترك الإعراب ضربتك. فقال: إني إذا أشقى الناس به. ضربت صغيراً لأتعلم وضربت كبيراً لأترك. ذم الكثير منه: ذكر النحو عند المأمون فقال: علم يغنيك أدناه عن أقصاه. وقال أبو حنيفة: المكثر من النحو كالمكثر من غرس شجر لا يثمر. وقيل: النحو ملح العلم، ومتى استكثر من الملح في الطعام فسد. وذكر أهل النحو عند بعض البلغاء فقال: أغزرهم علماً أنزرهم فهماً!مدح العروض و ذمه: قيل: معرفة العروض تسهل عليك ما تعوج من الشعر، فإنه نصابه ونظامه وعموده وقوامه. وعاب النظام الخليل فقال: تعاطى ما لا يحسنه ورام ما لا يناله، وفتنته دوائره التي لا يحتاج إليها غيره. ودخل أعرابي مسجد البصرة فانتهى إلى حلقة علم يتذاكرون الأشعار والأخبار، وهو يستطيب كلامهم، ثم أخذوا في العروض فلما سمع المفاعيل والفعول ورد عليه ما لم يعرفه فظن أنهم يأتمرون به، فقام مسرعاً وخرج وقال:قد كان أخذهم في الشعر يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروملما سمعت كلاماً لست أعرفه ... كأنه زحل الغربان والبومولّيت منفلتاً والله يعصمني ... من التقحم في تلك الجراثيم!ابن طباطبا:كل العلوم يزين المرء بهجتها ... إلا العروض فقد شانت ذوي الأدببي الدوائر دارت من دوائرها ... ما لإمرىء أرب في ذاك من أربفاستعمل الذوق في شعر تؤلفه ... وزن به ما بنوا في سالف الحقب مدح الملح: قال الأصمعي: نلت بالعلم وصلت بالملح. وقيل: النوادر تفتح الآذان وتفتق الأذهان وقال أبو عبيدة: الملح مروءة تنفق عند الأشراف، فارتادوا لها وانظروا عند من تضعونها. مدح الكلام: قيل: المتكلمون دعائم الدين، ولولاهم لأضلت الملحدة كثيراً من الناس. وروي أن ملك الصفد كتب إلى الرشيد يسأله أن يبعث إليه من يعلمه الدين فدعا يحيى بن خالد يعرض عليه الكتاب، فقال يحيى: لا يقوم لذاك إلا رجلان ببابك: هشام بن الحكم، وضرار، فقال: كلا إنهما مبتدعان فيلقنان القوم ما يفسدهم ويغويهم بالمسلمين، ليس لذلك إلا أصحاب الحديث. فقال يحيى: أصحاب الحديث لا يحسنون وأهل الصفد قد غلب عليهم الثنوية، فأبى أبو يوسف ووجه بعض أصحاب الحديث، فلما ورد أكله أهل صفد بالحجج، فقال ملك الصفد: ما أضعف دينكم وحججكم! فضحك صاحب الحديث، فقال الملك: وما هذا الضحك؟ فقال: أنا لسنا أصحاب الحجج، فإننا مقلدة، وعندنا من له الجدل وعنده الحجج ولا يقوى لهم أحد، وقد أشار بعض المحصلين على صاحبنا أن لا يبعثنا فوقع الغلط عليه.ذمه: قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق. وقيل: ما تعلم أحد الكلام إلا ساء ظنه بالناس. وقيل: من جعل غرضاً للجدال أكثر التنقل من رأي إلى رأي. وحكى بعض الصوفية قال: استشرت أبا عبد الله بن حنيف في تعلم الكلام فقال: لا تفعل فأقل ما فيه أنك تسيء عشرة الرب، فقلت: كيف ذلك؟ فقال: لأنك أبداً تقول، لو فعل الله كذا لكان جاهلاً، ولو كان كذا لكان عاجزاً، ونحو ذلك مما يجري في كلامهم. مدح الفقه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وعرفه عيوب نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه. وقال صلى الله عليه وسلم: الأنبياء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة. وقال صلى الله عليه وسلم: فقيه واحد على إبليس من ألف عابد. مدح الحساب: قال الله تعالى: " فالق الإصباح: وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم " . وقال الله تعالى: " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " . وقيل: الحساب ديباج العلم. وقال علي بن زين: لو رفع الحساب لبطلت العلوم، ولو رفعت العلوم لم يبطل الحساب. مدح استخراج المعمى وذمه والحاذق فيه: قيل: استخراج المعمى يدقق النظر ويصقل الذهن ويفطن القلب. وقيل: إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتاباً إلى الخليل، فخلا به شهراً حتى فهمه، فقيل له في ذلك فقال: علمت أنه لابد من أن يفتتح الكتاب باسم الله فبنيت على ذلك، فقست عليه وجعلت ذلك أصلاً ففتحت ثم وضعت كتاب المعمى على ذلك، وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن المعمى فقال: هو عمى القلب. وقال الجاحظ: ليس المعمى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، ويكتب خلاف ما يسمع، ويقرأ خلاف ما يكتب، يتعسر عليه استخراج أخف نكتة من المعمى. معرفة النسب: سئل بعضهم عن علم النسب فقال: هو علم لا تنفع معرفته ولا يضر جهله. وقال رجل لأبي عبيدة: علمني شيئاً من النسب، فقال: ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب. وقيل: فلان أنسب من دغفل ومن ابن لسان الحمرة.المتنبي في نبطي عارف بالنسب:وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكاء!بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل العلاء وصف فنون من العلم: قيل: علم الملوك النسب والخبر والشعر، وعلم السلطان المغازي والسير، وعلم التجار الحساب، وعلم الكتّاب معرفة الخط وتصريف اللغات. وقيل: العلوم ثلاثة: علم الدين لمعادكم، وعلم الطب لأبدانكم، وعلم الهندسة لمعاشكم. وقيل: تعلموا الفقه لأديانكم، والطب لأبدانكم، والنحو لبيانكم. متبجح باستيعاب العلم: قال ابن المنجم: أحب أن ألقى عدي بن الرقاع فأقول له ألست القائل:وعلمت حتى ما أسائل واحداً ... عن علم واحدة لكي أزدادهاثم أريه أنه قد جهل كل علم إلا قوله الشعر الذي يتقدمه عليه غيره، ثم أحسن أدبه وأعرك أذنه. ولكشاجم في معناه:وما زلت أبغي الشعر من حيث يبتغي ... وأفتن في أفنائه أتطرفهفقد صرت لا ألقي الذي أستزيده ... ولا يذكر الشيء الذي لست أعرفهوهذا من الإعجاب المفرط والجهل بفنون العلم، وكفى دلالة بقلة معلوم الورى قوله تعالى: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " . جودة الحفظ وذكر الحفاظ: قيل: فلان أحفظ بما يسمعه من الرمل للماء، وهذا أثبت في صدره من الحمد لله. ولما نزل قوله تعالى: " وتعيها أذن واعية " قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي، فلم يسمع بعد ذلك شيئاً إلا حفظه. وقيل: كان عمرو بن هبيرة يضبط حساب العراق وهو أمي. وقال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء إلا حفظتها. وقال: أحفظ كل الحديث سمعت، والموضع الذي سمعت فيه. وقال الأصمعي: أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، فقال رجل: منها البيت والبيتان، فقال: ومنها المائة والمائتان! وورد أبو مسعود الرازي أصبهان، ويقال أنه أملى عن ظهر قلبه مائة ألف حديث، فلما وصلت كتبه قوبلت بها فلم يعثر منها على سقطة إلا في متن حديثين. وادعى الخوارزمي أنه حفظ كتاب الأمثال لأبي عبيدة في ليلة. وقيل: جرى حديث الحفظ لما كان بأصبهان، فقرىء عليه أوراق من حساب البقالين، فأعادها على الترتيب. النسيان وذكر بنيه: قيل: فلان لو غابت عنه العافية لنسيها. وحكى جراب الدولة أن رجلاً كان على عاتقه صبي عليه قميص أحمر، وهو ينادي من وجد صبياً عليه قميص أحمر، فقيل: أليس هو على عاتقك؟ فلمه فقال: أحسنت كنت نسيته! وقال قتادة يوماً ما نسيت شيئاً قط، ثم قال في أثره: يا غلام ائتني بنعلي، فقال له الغلام: أليس نعلك في رجلك؟ وكان قد نسيه.عذر من نسي أمراً:قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . وقال تعالى في آدم: " فنسي ولم نجد له عزماً " . وقال تعالى: " وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " وسمي الناسي ابن سهوان، ومنه قيل: إن الموصين بنو سهوان.البحتري:إن كنت نسيتها فلا عجب ... قد عاهد الله آدماً فنسيوقال آخر: وسميت إنساناً لأنك ناسي تذكر الشيء: قيل في المثل: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً. ابن الرومي في تذكر المتلو بالعود إلى ما قبله وهو بديع في بابه:وتالٍ تلا يوماً فانسني آية ... فأعيت عليه حين رام انتهازهافكر على ما قبلها متدبراً ... فثاب له فكر فأفضى حجازهافشبهته بابن السبيل تعرضت ... له وهدة فاستصعبت حين رازهافقهقر عنها قيس عشرين خطوة ... فجاش إليها جيشة فأجازها ما يورث النسيان: قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: مما يورث النسيان الحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح المقابر، والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطرين، وإلقاء القملة إلى الأرض. وقيل: إن الباقلاء تفسد من الحفظ في يوم ما لا يصلحه البلادر في سنة. تصنيف الكتب: قال الجاحظ: لا يزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يصنف كتباً وقيل: من ألف فقد استهدف، فإن أحسن فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف. وقيل: عرض بنات الصلب على الخطاب أسهل من عرض بنات الصدر على ذوي الألباب.جاهل يصنف كتاباً أو يقول شعراً:الفضل بن سلمة:عجباً منك أبا الهيثم إذ كنت تصنفأحمد بن أبي طاهر:أظن دعوته في الشعر جائزة ... له علي كما جازت على النسبوقال آخر:ويوهمنا أنه شاعر ... كأنا قدمنا من الباديةابن الرومي:كيف لا يشتد وسواسي ... حيث أشعارك تدراسي؟ما اقتنى مثلك دهر السوء إلا حين إفلاس التعريض بجاهل: قال حجازي لابن شبرمة: منا خرج العلم، فقال: نعم ولكن لم يعد إليكم. وأورد رجل على آخر علماً فقال: أتحمل التمر إلى هجر؟ فقال: إذا قل حملها ونزر نخلها.قال الشاعر:يتعاطى كل شيء ... وهو لا يحسن شيئاًوقال آخر:موّه في ما ادعاه من حكم ... لكن تمويهه على بقروقال آخر:وقال الطانزون فني أديب ... فصعد مقلتيه له وتاهاوأطرق للمسائل أي بابه ... ولا يدري وحقك ما طحاها جاهل غير عارف بجهله: قيل: من لا يدري وهو لا يعلم أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه، ومن لا يدري وهو يقدر أنه يدري فذاك أحمق فاجتنبوه.قال الشاعر: جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلوقال آخر:أخالد لم تعلم، ولست بعالم ... بأنك لا تدري، وذا غاية الجهلوبضدّ ذلك نمدح من قال: ما فيّ من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم.العتب على من يذم علماً:تحدث يوماً شريك بحديث فقال عافية القاضي لا أعلم هذا، فقال: وهل يضر عالماً جهل جاهل؟ المتنبي:وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيمابن الرومي:عابو قريضي وما عابو بمعرفة ... ولن ترى الشمس أبصار الخفافيش ذم مستكثر لعلمه معجب بنفسه: ذكر النظام الخليل فقال: توحد به العجب فأهلكه، وصوب له الإستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه. وقال إبليس: ثلاث من كنّ فيه أدركت حاجتي منه: من استكثر علمه، ونسي ذنبه، وأعجب برأيه؛ ويدخل في هذا الباب ما ذكر من قول عدي بن الرقاع وقد تقدم.ذم مدّع للعلم:كشاجم:تشبّه في النحو بالأخفشين ... فجاء بأعجوبة مطرفهولم يسمع النحو لكنه ... قرأ منه شيئاً وقد صحفهفإن لم يكن أخفش الناظرين ... فإن الفتى أخفش المعرفهوقال آخر:فمما لك بالغريب يد، ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريبأبو العتاهية:أشد الناس للعلم ادعاء ... أقلهم بما هو فيه علماالصولي في نفطويه:يشرع في أكثر العلوم ولا ... يعرف منها أقلها خطرا من ادعى ففضحه الإمتحان: ويدعي الحفظ للقرآن ولا يقوم بالحمد وحدها نظرا قيل: لسان الدعوى إذا نطق فضحه الإمتحان.قال الشاعر:كل من يدعي بما ليس فيه ... كذبته شواهد الامتحان ذم من يصيب من غير قصد: ذم أعرابي رجلاً فقال: خطاء بعد اجتهاد، وصوابه من غير اعتماد.قال الشاعر:يصيب وما يدري ويخطي وما دري ... وكيف يكون النوك إلا كذلك؟ الموصوف بالإصابة مرة والخطأ أخرى: قيل في المثل: يشج مرة ويأسو أخرى. وقيل: شخب في الإناء وشخب في الأرض يشوب ويروب. فؤاد خطاء وواد مطر. من سئل فتبله: قال الشاعر:سألته عن علمه فكأنما ... سألت عن سكانه ربعاً خلاوقال آخر:كأنهم عند السؤال جلامدمن يروي علماً ولا يفهم:قال الله تعالى: " كمثل الحمار يحمل أسفاراً " . قال ابن الرومي: فإن تقل إنني رويت فكالدفتر جهلاً بكل ما اعتقده. محنة العلماء في أيدي الجهال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ارحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالماً بين جهال " . وقيل: إن أردت أن تعذب عالماً فاقرن به جاهلاً. وقيل: إن ثمامة بن أشرس لما غضب عليه الرشيد سلمه إلى خادم يقال له ياسر، وكان الخادم يتفقده ويحسن إليه حتى سمعه ثمامة يوماً يقرأ: ويل يومئذ للمكذَّبين، بفتح الذال، فقال ثمامة: ويحك! المكذَّبين هم الأنبياء إقرأ المكذِّبين بكسر الذال، قد قيل لي أنك زنديق ولم أصدق، أتشتم الأنبياء؟ ثم هجره وتركه فلم يتفقده. فلما رضي عنه الرشيد وردّه إلى مجلسه سأله يوماً: ما أشد الأشياء؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل! فظن الرشيد أنه تعريض به حتى عرفه خبر الخادم. معاداة الجاهل للعالم: قال رجل لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: الناس أعداء ما جهلوا، فقال: هذا في كتاب الله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.معاداة العلماء بعضهم بعضاً:قيل: هلاك العلماء بحسدهم. وقيل: الحسد والملق مذمومان في كل شيء إلا في العلم. قال ابن عباس: لا تقبلوا قول العلماء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيس في الزريبة. وقال الأِشج: إني لأغار على الحديث كما يغار على الجارية الحسناء.أبو تمام:وما أنا بالغيران من دون جارتي ... إذا أنا لم أصبح غيوراً على العلم مما جاء في التعلم والتعليم وما يتعلق بهما وجوب التعلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " . سقراط: " من لم يصبر على تعلم العلم وتعبه صبر على شقاء الجهل. وقال بعضهم تعلموا الأدب وإن لم ينلكم حظ من الدنيا، فلأن يذم فيكم الزمان أحسن من أن يذم بكم. تفصيل بث العلم ووجوبه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:من علم علماً فكتمه ألجمه الله تعالى بلجام من نار يوم القيامة.وقال الحسن رحمه الله: زكاة العلم تعلمه. أتى رجل الزهري ليحدثه فأبى فقال: إن الله تعالى لم يأخذ الميثاق على الجهال أن يتعلموا حتى أخذه على العلماء أن يعلموا؛ قال الله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه. وقيل: ما يتصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره. وأتى طالب علم باب عالم فقال: أعطيني مما أعطاك الله، قامر له بدراهم، فقال: أنا طالب هدى لا طالب ندى، فعلم أوضح لبساً خير من مال أغنى نفساً.فضل المعلم والمتعلم معاً:قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا خير في من كان من أمتي ليس بعالم ولا متعلم. وقيل: الناس عالم ومتعلم وما سواهما همج. وجوب تعظيم المعلم: قيل للإسكندر: إنك تعظم معلمك أكثر من تعظيمك لأبيك. فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب الحياة الباقية! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقام لأحد إلا لذي علم أو لذي سن أو لذي سلطان. وقيل: لا يستخف أحد بمن تعلم منه علماً إلا وضيع خامل أو رفيع جاهل. وعن بعض العلماء: لا يتحركن ثلاثة لأحد: القاضي في يوم مجلسه، والكاتب في وقت أمره ونهيه، والمؤدب في مكتبه. وجوب تعظيم المتعلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه. قال أبو العالية:ولا تصعر خدك للناس أي ليكن الفقير والغني عندك سواء في تعلم العلم. اختيار التلامذة وحث كل إلى تعلم ما يليق به: سأل أفلاطون بعض تلامذته عن مسألة لم تكن تليق بحاله، فقال: لست من أهلها فلكل تربة غرس ولكل بناء أس. وقيل: تصفح طلاب علمك كما تتصفح خطاب حرمك. وكان يونس يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلمه، فقال له الخليل يوماً، من أي بحر قول الشاعر:إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض. وقيل: اختر كل إنسان للفن الذي يستطيبه، فبقدر شهوته يكون نفاذه فيه. منع العلم عن غير أهله: قال المسيح عليه السلام: لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينتفع به. وفي بعض الكتب: يا بني إسرائيل لا تطرحوا الدر بين أيدي الخنازير فتطؤه وهي لا تعرفه. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:ومن منح الجهال علماً أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلموقيل: ما كل تربية تحتمل القلائد، ولا كل ضريبة تستحق الفوائد. النهي عن تعليم الأوغاد وذمهم إذا تعلموا: قالت الحكماء: لا تعلمن الدنيء علماً فيستفيده منك ويصير به عدواً لك، فلأن يتضع ألف من عليين أولى أن من أن يرتفع دنيء واحد. وقيل لبعضهم: أي علم أضر؟ فقال: ما يفاد الأوغاد.وقيل لأبي سنان: تموت وتدخل علمك معك القبر! فقال: ذاك أحب إلي من أن أجعله في إناء سوء. ورأى حكيم رجلاً يعلم دنيئاً علماً فقال له: أتسقي سهماً ترمى به يوماً؟ دعبل في أبي تمام:إن عابني لم يعب إلا مؤدبه ... فنفسه عاب لما عاب آدابهوكان كالكلب أضراه مكلبه ... كيما يصيد له فاصطاد كلابهوقال آخر:أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتدّ ساعده رمانيوكم علّمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجانيدنيء استفاد علماً فازداد به شراً:البديهي وقد أجاد:إذا ما اقتنى العلم ذو شرة ... تضاعف ما ذم من مخبرهوصادف من علمه قوة ... يصول بها الشر في جوهرهوصار عدواً لإخوانه ... وسيفاً حساماً على معشره فضل تعليم الأولاد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما منح والد ولداً أفضل من أدب حسن. وكانت اليونانية تورث الأبناء الأدب والبنات النسب. وقيل: من أدب ولده صغيراً قرّت به عينه كبيراً. وقيل: من أدب ولده أرغم حاسده. حكي أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم: ما أشدّ ما مر بكم في هذا الحبس؟ فقالوا: ما فقدنا من تأديب أولادنا. وقيل: لا يحب الأب ابنه حتى يبغضه على ترك الأدب. فضل التعلم في الصغر: قيل: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال. وسمع الحسن رجلاً يقول: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فقال: الكبير أوفر عقلاً منه لكنه أشغل قلباً. وقيل: من لم يتعلم في الصغر هان في حال الكبر. وقال الشاعر:هل الحفظ إلا للصبي؟ فذو النهى ... يمارس أشغالاً تشرد بالذكر فضل التعلم في الكبر: قيل لأبي شروان: أيحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كانت الجهالة تقبح منه فالتعلم يحسن به، فقيل: وإلى متى يحسن منه؟ فقال: ما حسنت به الحياة. وقيل لحكيم: ما حد التعلم؟ فقال: حد الحياة أي يجب له أن يتعلم ما دام حياً. وقال شيخ للمأمون: أقبيح بي أن أستفهم؟ فقال: بل قبيح بك أن تستبهم! الأحوال التي تحصل بها العلوم: قيل: لا يصير الإنسان عالماً إلا بخمس: غريزة محتملة للعلم، وعناية تامة، وكفاية قائمة، واستنباط لطيف، ومعلم فصيح.وقيل:لا تستطيع أن تعي العلوم السنيه ... حتى تمحو من ذهنك الأمور الدنيه الأوقات المرتضاة للدرس: قيل: انظروا في العلم بالليل فالقلب بالنهار طائر وبالليل ساكر أي ساكن. وقيل لبعضهم لم اخترت الغدوة للدرس؟ فقال: لأن العقل أجم لقرب عهده بالصمت، وبعد جوارحه من المعاصي. من سهل عليه التعلم: قيل إذا كانت الطبيعة نقية اكتفت بالأذكار وغنيت عن التكرار. وقيل: فلان يكتفي باللحظ ويستغني عن اللفظ. من عسر عليه التعلم: قال الله تعالى: " لا يكادون يفقهون قولاً " . وقال بعض الحكماء: صقلك سيفاً ليس له جوهر من سنخه خطأ، وحملك الصعب المسن على الرياضة عناء، وبثك الحب في أرض سبخة ترجو نباتها جهل.أبو تمام:السيف ما لم يلف منه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقالوقال الخليل رحمه الله لبليد: ما أجد لقفل بلادتك مفتاحاً! تعسر تعلم الكبار: نظر رجل إلى فيلسوف يؤدب شيخاً فقال: ما تصنع؟ قال: أغسل مسحاً لعله يبيض؛ قال:ومن العناء رياضة الهرموقال آخر:أدب الكبير من التعب ... كبر الكبير عن الأدبوقال آخر:إن الرياضة لا تجدي لدى الشيبوأسلم بعض الولاة هرماً إلى كتاب ليتعلم شيئاً من القرآن، وكان إذا تعلم شيئاً نسي ما قبله، فوجه إليه أن ابعث إلي من يتسلم مني ما أحفظه أوّلاً فأوّلاً.من يعّلم من هو أعلم منه:قيل: كمستبضع التمر إلى هجر، وكمعلمة أمها البضاع. وقيل: تعلمني بضب أنا حرّشته.وقيل: فلان يقرأ سورة يوسف على يعقوب عليهما السلام.المتنبي:فآجرك الآله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيباًويقال: أنا منه كحاقن الإهالة إذا كنت عارفاً به. الحث على الحفظ دون الاعتماد على الكتب: قيل: إذا فقد العالم الذهن قل على الأضداد احتجاجه، وكثر إلى الكتب احتياجه.وقيل: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي.محمد بن بشير:ليس بعلم ما يعي القمّطر ... ما العلم إلا ما وعاه الصدروله أيضاً:إذا لم تكن حافظاً واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفعوقال آخر:غدوت بتشمير وجد عليهم ... فمحبرتي سمعي ودفترها قلبي ضبط العلم بالكتابة: قيل: قيدوا العلم بالكتابة.سقراط: ما بنته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام. وقيل: العلم بند فاجعلوا الكتب له حماة، والأقلام عليها رعاة. العلم عقود فاجعلوا الكتب لها نظاماً. وقيل: اكتبوا ما تسمعونه من الحكم ولو في بياض النواظر بأطراف الخناجر. وصف المثبت لكل ما يسمع: قال أعرابي في رجل يكتب كل ما يسمع: أنت حتف الكلمة الشرود.وقال آخر:ما أنت إلا الحفظه ... تكتب لفظ اللفظه قال الأصمعي: قال لي أعرابي رآني أكتب ما أسمع واستحسن: لا تدع شيئاً إلا نمصته أي نتفته. السؤال عما يجهل: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: العلم خزانة مفتاحها السؤال. وقال أنس: السؤال يعمر العلم. وقيل: لا تسل رياء ولا تتركه حياء. وقيل: سل سؤال الحمقى واحفظ حفظ الأكياس. وقيل لدغفل: بم أدركت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤال وقلب عقول.وقال الشاعر:شفاء العمى طول السؤال، وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل! الحث على الأخذ من الصغير والكبير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها قيدها. وقيل: خذ الحكمة ممن تسمعها منه، فرب رمية من غير رام، وحكمة من غير حكيم. وقيل: لا يمنعنك ضعة القائل عن الاستماع إليه، فرب فم كريه مج علماً ذكياً وتبر صاف في صخر جاس. وسمع الكندي كلمة من مخنث فكتبها، فلاموه على ذلك فقال: رب لسان خنث نتج لفظاً فحلاً، والجوهرة النفيسة لا يشينها سخافة غائصها ولا دناءة بائعها. وقال بزرجمهر: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب ذبه عن حريمه، ومن الخنزير بكوره في مقاصده. وقال ابن السكيت لرجل: أتراك أحطت بما لم أحط به؟ فقال: وما أنكرت، وقد قال الهدهد وهو أخس الطيور لسليمان، أحطت بما لم تحط به. مدح من يقول لا أدري: سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل: ألا تستحي من قولك هذا وأنت فقيه العراقيين؟ فقال: إن الملائكة لم تستحي إذ قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا! وقيل لأبي عمرو مثله فقال: أقبح من هذا أن أقول فأخطىء وأروي فلا أروى؛ شاعر:إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فقصراوقال الحسين رضي الله عنه: لو أن العالم كل ما قال أحسن وأصاب لأوشك أن يجن من العجب، وإنما العالم من يكثر صوابه. وقال بعض الفقهاء، العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري فيقتضي اجتهاداً. ذم من يقول ذلك: سئل رجل عن شيء فقال: لا أدري ولا أدري نصف العلم. فقيل له: لكنه النصف الأخس! وقال آخر مثل ذلك فقيل له: فقله مرتين تحز العلم كله. وقال آخر ذلك فقيل له: لكن أبوك بالنصف الآخر تقدم. صعوبة جانب العلم: قال الخليل رحمة الله عليه: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، ثم أنت في إعطائه إياك بعضه مع إعطائك إياه كلك على خطر. وقيل: لا يتأدب الرجل حتى يتجنب الفراش الوطىء والدثار الدفىء. وقيل: لا يدرك العلم من لا يطيل درسه ولا يكد نفسه. وقيل لبعض العلماء: ذلت طالباً فعززت مطلوباً. فقال: من ذل طلبه عز أدبه. وقال ارسطاطاً: ليس طالب العلم كالغائص في البحر، لا يصل إلى الجواهر الكريمة إلا بالمخاطرة العظيمة. ترفيه النفس في طلبه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " . وقيل: دار القلب، فإذا نشط فأودعه وإذا فتر فتودعه. وقيل: روحوا الأذهان كما تروحون الأبدان، فإن العقل المكدود ليس لرؤيته لقاح ولا لرأيه نجاح. وقيل: نفسك مطيتك، إن رفهتها اضطلعت، وإن تحاملت عليها انقطعت. الحرص على الإستكثار منه وعزه إذا كثر: قال صلى الله عليه وسلم: منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال. وقيل: الشره في المال دناءة، وفي العلم نباهة. وقيل: كل شيء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر. اتساع القلب بازدياد العلم: قال أبو نواس: ما رأيت شيئاً إلا قليله أخف من كثيره إلا العلم فإنه كلما كان أكثر كان أخف محملاً وقيل: كل إناء يفرغ فيه شيء يضيق إلا القلب، فإنه كلما أفرغ فيه علم اتسع. وقال أنوشروان: قلب العالم كبيت فيه مصباح، لا يضيق عن تظاهر النور فيه بل يتسع للنظر ويزيد في الضياء. الترغيب في اختيار النكت: قيل: العلم أكثر من أن يحوى فخذوا من كل شيء أحسنه. وقيل: حل طبعك بالعيون والفقر، فالشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كانت ثمرتها نافعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: العلم كثير فارعوا أحسنه، أما سمعتم قول الله تعالى: فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؟ قال الشاعر:قالوا: خذ العين من كل فقلت لهم: ... في العين فضل ولكن ناظر العين تناول طرف من كل نوع: قال يحيى بن خالد: انتق من كل علم طرفاً، فمن جهل شيئاً عاداه وأكره أن تكون عدو الشيء من الآداب. وقيل: إذا أردت أن تكون عالماً فاقصد فنّاً واحداً، وإذا أردت أن تكون أديباً فخذ طرفاً من كل فن. وقيل: من لا يعلم إلا فناً واحداً من العلم سمي الخصي من العلماء. تقديم تعلم ما لا يستغنى عنه: قال المأمون: العلم لا يدرك غوره ولا يسبر قعره، فابدؤوا بالأهم فالأهم بالفرض قبل النقل، إن الأهم المقدم. وقيل: ضيع الناس الأصول بتركهم الأصول. النهي عن الخوض في فنون من العلم: قيل: ازدحام العلم في السمع مضلة للفهم. وقيل: إذا رأيتم رجلاً يريد تعلم أنواع العلوم فداووه. وقيل: من رام أن ينتحل فنون العلم استخف بنحيزته ووقف الناس على غميزته؛ قال الشاعر:تعلمت حتى من كلاب عواءها ... لعمري لقد أسرفت في طلب العلم! كثرة العلم: قال الحسن رضي الله عنه: ما ترك قول الله تعالى: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " عالماً يظن أن علمه كثير " . وقيل لفيلسوف " إلى أين بلغت في العلوم؟ قال: إلى الوقوف على القصور عنها. زهد من يقرب من العلماء في العلم: قيل: أزهد الناس في العالم جاره. وقيل: العالم كالجمة من البئر يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء وقيل لرجل: كيف غلبت البرامكة؟ فقال: بتطراف الغرباء والملالة من القرباء. وقال أبو شروان: رأيت في منامي رجلاً يعدو والماء خلفه يناديه فعبر بأنه رجل يفر من العلم، وعالم يناديه ليفيده وهو يمتنع منه. حد التأديب: قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: الناس عالم ومتعلم وما سواهما همج؛ فدل ذلك على تفضيل التأديب وجميع ما تقدم من عموم فضل التعليم، فدلالة على فضل المؤدبة. وقال ابن ثابت: إن المؤدبة ولدوا بنجم الملوك حاسبون حسابهم. وسأل الرشيد يوماً: من أكرم الناس خدماً؟ قيل: أمير المؤمنين. فقال: لا بل أكرمهم خدماً الكسائي، فقد رأيته يخدمه الأمين والمأمون وليا عهد المسلمين، وليس لي من الخدم مثلهما. وقال خالد بن صفوان لمؤدب: أنت أنظفنا وصيفاً، وأحضرنا رغيفاً.ذم التأديب وكونه نقصاً لذوي الفضل:كلف اسمعيل بن عبد الله بن المقفع أن يجلس مع ابنه في كل أسبوع يوماً، فقال: أتريد أن أثبت في ديوان النوكي؟ وقال سعيد بن سلم: قصدت الكوفة فرأيت ابن المقفع فرحب بي وقال: ما تصنع ههنا؟ فقلت: ركبني دين فأحوجت إلى الإزعاج، فقال: هل رأيت أحداً؟ فقلت: ابن شبرمة، وعرفته حالي. فقال: أنا أكلم الأمين ليضمك إلى أولاده، فيكون لك نفع فقال: أف لذلك! أيجعلك مؤدباً في آخر عمرك أين منزلك؟ فعرفته فأتاني في اليوم الثاني وأنا مشغول بقوم يقرأون علي ومعه منديل، فوضعه بين يدي فإذا فيه أسورة مكسورة ودراهم متفرقة مقدار أربعة آلاف درهم، وحينئذ زمان المنصور وفي الدراهم ضيق فأخذت ذلك ورجعت به إلى البصرة واستعنت به. قال الشاعر:كفى المرء نقصاً أن يقال بأنه ... معلم صبيان وإن كان فاضلاًوقال آخر:إن المعلم حيث كان معلم ... ولو ابتنى فوق السماء سماء؟؟؟؟؟ وصايا المؤدبين في الأولاد: أوصى هشام بن عبد الملك سليمان الكلبي لما اتخذه مؤدباً: إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني وقد وليتك تأديبه، فعليك بتقوى الله وأداء الأمانة فيه بخلال: أوّلها أنك مؤتمن عليه، والثانية أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة كلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه، وفي هذه الخلال ما يرغبك في ما أوصيك به، أن أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشراً يحفظه حفظ رجل يريد التكسب به، ثم روّه من الشعر أحسنه، ثم تخلل به في إحياء العرب فخذ من صالح شعرهم هجاءً ومديحاً، وبصره طرفاً من الحلال والحرام والخطب والمغازي، ثم أجلسه كل يوم للناس ليتذكر. وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاح نفسك فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته، والقبيح ما استقبحته. علمهم كتاب الله، وروهم من الحديث أشرفه ومن الشعر أعفه، ولا تكرههم على علم فيملوه ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم. وعلمهم سير الحكماء وهددهم وأدبهم دوني، ولا تتكل على كفاية منك واستزدني بتأثيرك أزدك إنشاء الله تعالى. وضرب أبو مريم مؤدب الأمين والمأمون الأمين بعود فخدش ذراعه. فدعاه الرشيد إلى الطعام فتعمد أن حسر عن ذراعه، فرآه الرشيد، فسأله فقال: ضربني أبو مريم، فبعث إليه ودعاه قال فخفت، فلما حضرت قال: يا غلام وضئه. فسكنت وجلست آكل فقال: ما بال محمد يشكوك؟ فقلت: قد غلبني خبثاً وعرامة! قال: أقتله فلأن يموت خير من أن يموق. الحث على تفقد المؤدب: قيل: أولى من تبذل له ثراك من أفادك علاك وصقل حجاك؛ قال الشاعر:إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرمافاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلماووقع الصاحب لبعض المؤدبة إلى من تقاعد بمشاهرته:الكلب يرفع نفسه ... ويجلها مع خستهمن أن يفيت مؤدباً ... مستوجباً من أجرتهوسمع مؤدب يلقن صبياً، وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيداً، وأكيد كيداً فمهل الكافرين أمهلم رويداً. فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن أباه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة إلى سورة لئلا يحصل على شيء كما لا أحصل أنا على شيء. نوادر المعلمين فيما يقرأ عليهم الصبيان: قرأ صبي على معلم، وإن عليك اللعنة يا شيخ! وأخذ يكرر ويقف فقال: عليك وعلى والديك. فقال الصبي: ليس فيه وعلى والديك لكنه عليك هل ألحقه به؟ وقرأ آخر على معلم: اخرج منها فإنك رجيم. فقال: ذلك أبوك الكشحان. وقرأ آخر على معلم: ما لنا في بناتك من حق. وأخذ يكررها كالمستفهم فقال: لا ولا كرامة لك. نوادرهم فيما يقرأ عليهم من التصحيفات: قرأ صبي على معلم: إني أريد أن أنكحك! فقال: هذا إذا قرأت على أمك القحبة. وقرأ آخر: عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون. فقال: هؤلاء أكراد لا ملائكة. وكان معلم يلقن صبياً " عبس وتولى " فكان يقول: أبس وتولى، فضربه المعلم فقال: عاه! حول العين من ههنا إلى ثم وخلصني. وقرأ آخر: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصل. فقال: يا ابن الفاعلة، لعلك تشتهي البصيلة؟ ما وصف من لواط المعلمين: وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام وهو صبي وضيء الوجه، فبعث به هشام إلى عبد الصمد مؤدب والده الوليد ليؤدبه، فراوده عن نفسه فخرج من عند المؤدب مغضباً، ودخل على هشام وهو يقول:إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالماً عبد الصمدفقال: وما ذاك؟ فقال:إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحداقال: وما ذاك؟ فقال:رام جهلاً بي وجهلا بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسدافطرد عبد الصمد عن داره. وحدث الأحيمر النحوي، وكان مؤدب الأمين: اتخذ عليه بعد حماد عجرد، وكان حماد اتخذ عليه بعد نفي قطرب، قال: كان سبب نفيه أن حماداً كان يتعشق! الأمين ويطمع أن يتخذ عليه مؤدباً، فلم يتأت له ذلك حتى استوى الأمر على قطرب، فاحتال حماد وكتب هذين البيتين وناولهما بعض الخدم على يد مجهول: قل للأمير: جزاك الله صالحة ... لا يجمع الدهر بين السخل والذيب!السخل غر، وهم الذيب غفلته ... والذيب يعلم ما في السخل من طيب!فلما قرأهما الرشيد نفى قطربا واتخذ حماد عجرد، وجعل عليه ثمانين من الرقباء، فخاف قطرب لم وسم بهذه السمة فهرب إلى الكرج، والتجأ إلى أبي دلف فحسن حاله. ودخل المأمون ديوان أحمد بن يوسف فصادف حوله مرداً حساناً فقال:أسد رابض حواليه أسد ... ليس ينجو من الأسود الظباءوقال خلف الأحمر لمعلمه وهو في الكتاب، وقد راوده عن نفسه:أتترك في الحلال مشق صاد ... وتأتي في الحرام مدا رميم؟ حماقة المعلمين: قال يعقوب الدورقي: الله أعان على عرامة الصبيان بحماقة المعلمين. وقال سهل بن هارون: لم أر قاضياً ولا عدلاً معلم كتاب، لا في تافه حقير ولا في ثمين خطير. وقال الشاعر:وكيف يرجى العقل والرأي عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل؟وقال آخر:أنت ألحى معلم وطويل ... حسبنا ربنا ونعم الوكيل! وقال الجاحظ: المعلمون على ضربين، منهم من ارتفعوا عن أولاد العامة إلى تعليم أولاد الملوك والمرشحين للخلافة كالسائي وقطرب وحماد وعبد الصمد، فهؤلاء لا تجوز عليهم الحماقة، وإن لكل قوم حاشية وجهالاً وسفهاء. ما وصف من ذكاء الصبيان وكيسهم في الكتاب: قال مؤدب يزيد بن عبد الملك له: لم لحنت؟ فقال: الجواد يعثر. فقال المؤدب: إي والله ويضرب حتى يستقيم. فقال يزيد: وربما يرمح سائسه فيكسر أنفه. ويروى عن ابن السكيت قال: أحضرت لأتخذ على المعتز بالله فقلت له: بأي شيء نبدأ اليوم؟ فقال: بالخروج. فقلت: نعم. فعدا من بين يدي وعير على المرمر فقال:يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجلفقلت للمتوكل: جئتم بي لتأديبه وهو آدب مني فأمر لي بعشرة آلاف درهم. قال أبو محمد يحيى وكان مؤدب المأمون في صغره: صليت يوماً قاعداً فأخطأ المأمون فقمت لأضربه. فقال: أيها الشيخ أتطيع الله قاعداً وتعصيه قائماً؟ فكتبت بهذا إلى الرشيد، فأمر لي بخمسة آلاف درهم. وحكي أنه بدر من أبي عمر الصباغ إلى الصاحب جفاء وكان مؤدبه، فقام من عنده وكتب إليه:أودعتني العلم فلا تجهل ... كم مقول يجني على مقتل؟وأنت إن علمتني سوقة ... والسيف لا يبقى على الصيقل!فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد فتعجب منه وكتبه، وقال: ابن ثمانين يكتب شعر ابن عشر، ثم تلا: وآتيناه الحكم صبياً. أمارة نجابة الصبيان: قيل لأعرابي: ما أمارة النجابة في صبيانكم؟ قال: إذا كان أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السودد! وقال الزبرقان: أكيس صبياننا العريض الورك، السبط الغرة، الطويل الغرلة، الأبله العقول. وقال بزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أي أولادك أحب إليك؟ قال: أرغبهم في الأدب وأجزعهم من العار، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه. وروى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله إذا كبر. وقال معاوية: طيروا الدم في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم. صبي استدل بعقله على كبر همته: قيل: أول ما عرف من سودد خالد القسري أنه مر في بعض طرق دمشق راكباً وله عشر سنين، فوطىء فرسه صبياً فوقف عليه فرآه لا يتحرك، فانتهى إلى أول مجلس مر به فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث فأنا صاحب الجناية ولم أعلم. ومر عمر رضي الله عنه بصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فعدا الصبيان ووقف عبد الله فقال له عمر: ما لك لا تذهب مع الصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجن إليك فأخافك، ولم يكن في الطريق ضيق فأوسعه لك! فقال عمر: أي شيطان يكون هذا؟ وكان عبد الملك صغيراً فأربى عليه صبي فضربه فقيل له: لو شكوته إلى عمك لانتقم منه! فقال: أنا لا أعد انتقام غيري انتقاماً. وقال السري الرفاء يصف غلاماً بعلو الهمة:لا تعجبن من علو همته ... وسنه في أوان منشاهاإن النجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها من تكلم عند الخلفاء وهو صغير فارتفع بذلك شأنه: أوفد أبو موسى الأشعري زياداً على عمر رضي الله عنه، وكان يكتب له وهو حين بلغ، فلما جاء وجده من الكيس بمحل، فقال عمر: اعتزل عملك. فقال زياد: أعن خيانة؟ قال: لا ولكني أكره أن أحمل الناس فضل عقلك ومنطقك قال: إذاً لا أبالي! دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض على ضياعهم، وهو صبي أمرد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. قال: من أنت؟ قال: سليل نعمتك وابن دولتك، وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن لي بالكلام؟ قال: نعم. فتكلم بكلام حسن، فقضى حاجته. نظر المأمون إلى الحسن بن رجاء وهو صبي في ديوانه فقال: من أنت؟ قال: الناشىء في دولتك، المتقلب في نعمتك وتخريج أدبك الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، وأمر برفعه عن محله. وفي بعض كتب الفرس أن كسرى أراد كاتباً لأمر أعجله فلم يوجد غير غلام صغير يصحب الكتاب، فدعاه فقال: ما اسمك؟ قال: مهرماه. قال: اكبت ما أملي عليك. فكتب قائماً أحسن من غيره قاعداً ثم قال له: أكتب في هذا الكتاب من تلقاء نفسك، ففعل وضم إلى الكتاب رقعة فيها: إن لحرمة التي أوصلتيني إلى سيدنا لو وكلت فيها إلى نفسي لقصرت أن أبلغ إليها، فإن رأى أن لا يحطني إلى ما هو دونها فعل. فقال كسرى: أحب مهرماه أن لا يدع في نفسه لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة، وقد أمرنا له بما سأل. وذكر أن عمرو بن عتبة أعتق غلاماً له فقام إليه وصيف له فقال: اذكرني ذكرك الله، فاستصغره فقال: ويلك إنك لم تخرف بعد! فقال: إن النخلة قد تجتني زهواً قبل أن تصير معواً! قال: قاتلك الله قد استعتقت قد وهبتك لواهبك لي. وصف بلادة الصبيان في التعلم: كان معلم يضرب صبياَ فقيل له: لم تضربه؟ فقال: إنه يترك الصواب الهين ويأتي الخطأ الصعب، فإذا هو يقرأ " يا أيتها النفس المطمئنة " ويقرأ " فيؤخذ بالنواصي والأقدام " . وحكي أن مؤدباً ادعى أنه علم صبياً النحو والفرائض، فامتحنه أبوه فقال له: كيف تقول ضرب زيد عمراً؟ قال: كما تقول. فقال له: فما إعرابهما؟ قال: زيد وقع بفعله وما بقى فللعصية. وأمر آخر معلماً أن يعلمه الفرائض، فامتحنه يوماً فقال له: ما تقول في رجل مات وخلف ابنتين وابناً؟ فقال: أما الإبن فيسقط. فقال: نعم إذا كان مثلك. وسلم أشعب في البزازين فقيل له بعد سنة: إلى أين بلغت في معرفة البز؟ قال: أحسنت النشر وأرجو أن أتعلم الطي. مما جاء في البلاغة وما يضادها ما حد به البلاغة: قيل: البلاغة ما اجتيازه فساده. وقيل: الإيجاز من غير عجز الإطناب من غير خطل. وسئل آخر فقال: أن لا تخطىء ولا تبطىء. وسأل المأمون الحسن بن سهل عن ذلك فقال: ما فهمته العامة ورضيته الخاصة. وسئل عند بعض اليونانيين فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وسئل حكيم عن البليغ فقال: ما إذا أخذ شبراً كفاه وإن أخذ طومار أملاه. ما حد به الإيجاز ووصفه: سئل بعضهم فقال: اللمحة الدالة. قال جعفر بن يحيى البرمكي: إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا. ووقع محمد بن طاهر أيام الفتنة إلى الكتاب: لتدقق الأقلام ويختصر الكلام، فالقراطيس لا ترام. وقيل: من أطال الحديث فقد عرض أصحابه للسآمة وسوء الإستماع. وقيل: الكلام إذا طال اختل، وإذا اختل اعتل. منصور الفقيه: ولا تكثرنّ فخير الكلام القليل الحروف الكثير المعاني.وقيل: خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل. كلمات موجزة: ذكر ذلك يطول ولكن لابد من ذكر أحرف تكون أمثلة. سئل جعفر بن يحيى عن أوجز كلام فقال: قول سليمان عليه السلام، إلى ملكة سبأ " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، أن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين " فجمع في ثلاثة أحرف العنوان والكتاب والحاجة وإظهار الدين، وعرض الرشاد إلى المكتوب إليهم. وكتب المعتصم إلى ملك الروم جواباً عن كتاب تهدده فيه: الجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لم عقبى الدار، والسلام. وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية موجزة فكتب: كتابي كتاب واثق بمن كتب إليه، معتنى بمن كتب له، ولن يضيع بن الثقة والعناية موصله. الإيجاز والأطناب في محليهما: قيل لأبي عمرو بن العلاء: لم كانت العرب تطيل؟ قال: ليسمع منها. قيل: فلم توجز؟ قال: ليحفظ عنها؛ وقد قال الشاعر في هذا المعنى:يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباءوقال ابن قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة وهي مطابقة اللفظ والمعنى لا زائداً ولا ناقصاً، والإشارة وهي أن يكون اللفظ كاللمحة الدالة، والتذييل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه ويتأكد عند من فهمه.شاعر:يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت إذا طال النضال مصيبوأمر يحيى بن خالد كاتبين أن يكتبا في معنى، فأوجز أحدهما وأطال الآخر، فقال للموجز، لما نظر في كتابه: لم أجد موضع مزيد، وقال للمطيل: لم أجد موضع نقصان. وقال جعفر ابن يحيى: إذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار هذراً، وإذا كان التطويل واجباً كان التقصير عجزاً. استقباح إعادة الحديث: قيل: الحديث الرجيع، كالحدث والرجيع. وقيل: إذا أعيد الحديث ذهب ضوؤه ورونقه. قال ابن السماك لجارية له تصغي إلى كلامه: كيف تجدين كلامي؟ قال: ما أحسنه إلا أنك تكثر ترداده! قال: إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه! قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه مله من قد فهمه. وقيل لرجل كلاماً لغبي: قد ثقل كلامك على الذكي، قبل حصوله في قلب الغبي. ذم إطالة الحديث: قيل: من أطال حديثه فقد عرض أصحابه للسآمة وطول الاستماع. وقال سقراط لرجل: أنساني أول كلامك بعد العهد بآخره، وفارق آخره فهمي لتفاوته. وخطب رجل خطبة نكاح، فأخذ يطيل فقام بعض الحاضرين فقال: إذا فرغ الخطيب فبارك الله لكم، فإني على شغل. الموصوف بالفصاحة: سمع أعرابي الحسن يتكلم فقال: هو فصيح إذا لفظ نصيح إذا وعظ. وقال:ملقن ملهم فيما يحاوله ... جم خواطره جواب آفاقوقيل: انتهت الفصاحة إلى أربع: علي وابن عباس وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم. قال الشعبي: ما رأيت أحداً يتكلم فيحسن إلا أحببت أن يسكت، إلا زياد فإنه لم يخرج قط من حسن إلا إلى ما هو أحسن منه. وقال يحيى بن زياد: فلان أخذ بزمام الكلام فقاده أحسن مقاد، وساقه أحسن مساق، فاسترجع به القلوب النافرة واستصرف له الأبصار الطامحة. وقيل: كلام كنظم الجمان وروض الجنان، فكأنه من كل قلب ينظم.أبو تمام:من السحر الحلال لمجتنبه ... ولم أر قبله سحراً حلالاً!الخنساء:كأن كلام الناس جمّع حوله ... فأطلق في إحسانه يتخير فضيلة اللسان: قال العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ قال: في اللسان. وقيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. وذكره بعضهم فقال: لله دره من عضو ما أصغره وأكثر ضره ونفعه! وقيل: مروءتان ظاهرتان: الفصاحة والرباش. موصوف لسانه بالصرامة: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه: ما بقي من لسانك؟ فضرب به أرنبته وقال: والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على صخر لفلقه! قال الله تعالى: سلقوكم بألسنة مداد. ووصف أعرابي رجلاً فقال: لسانه أدق من ورقة وألين من سرقة.الغساني:له بين فكيه لسان كأنه ... حسام دقيق الشفرتين عتيقآخر:وللسيف أشوى وقعة من لسانياآخر:وحسبت أنه لسانه من عضبه وصف كلام بالسلاسة: قيل: لو كان الكلام طعاماً لكان هذا أداماً. كلام يقطر عسله. هذا والله نثر نغم أحسن من نثر نعم. كلام كالويل في المحل. وتكلم المأمون بكلام حسن في مسألة ثم قال لبعض ندمائه: كيف كان الكلام في هذه المسألة؟ قال: كان والله كغيث وقع على أرض عطشة. فقال: جوابك هذا أحلى لدي من الأمن بعد الخوف! المتنبي:إذا ما صافح الأسماع يوماً ... تبسمت الضمائر والقلوب!قال ابن المقفع: ما زالت ينابيع حكمه تترقرق في معابر الآذان حتى ملأت القلوب عقولاً، اللفظ لحسن إحدى النفاثات في العقد. وقيل في وصف كلام: إنه يحط الجندل ويثقب الخردل، وإنه دون السحر وفوق الشعر. لفظ ساعد المعنى في الجودة: مدح أعرابي رجلاً فقال: كأن ألفاظه قوالب لمعانيه. قال الشاعر:تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني وقيل: خير الكلام ما كان لفظه بكراً ومعناه فحلاً.شاعر:نرى حلل البيان منشرات ... تخير وسطها صور المعاني مدح كلام وسط: خير الكلام ما لا يكون عامياً سوقياً، ولا عربياً وحشياً. وقيل: الإيغال في البلاغة معجزة، والخروج عن كلام أهل الزمان هجنة. قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بني إذا كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من لم يبلغه سنك فيستثقلوك، ولا بكلام من هو دونك فيستحقروك. مفاضلة الرواية والبديهة: قال معاوية لعمرو بن العاص: أنا آدب منك! فقال: أنت للروية وأنا للبديهة، وبينهما بون.ابن الرومي:نار الروية نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويحوقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح فضل البديهة وما يحاضر به: قيل: خير الفقه ما حضرت به، ولا خير في علم لا يعبر معك الوادي، ولا يعمر بك النادي.الحطيئة:فهذا بديه لا كتجيير قائل ... إذا ما أراد القول روده شهراالمتنبي:أبلغ ما يطلب النجاح به ... الطبع وعند التعمق الزلل النهي عن التشادق والتقعر وذمهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفقهون المتشدقون " وقال صلى الله عليه وسلم: " إياك والتشادق " . وقال بشر بن المعتمر: إياك والتقعر فإنه يسلمك إلى التعقيد فيستهلك معانيك ويمنعك من مراميك. وقال: تشقيق البيان من شقاشق الشيطان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شعبتان من النفاق، البذاء والبيان، وشعبتان من الإيمان، الحياء والعي " . وهذا إنما هو لمن جاوز المقدار أو قصر عنه. وكفاك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبغض البليغ يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها؛ وأنشد العجاج:أمسى الغواني معرضات صدداوأعرابي حاضر فقال: تنح عن سنته وإلا تسقط منه كلمة فتشدخك. وما أجود ما قال ابن أبي طاهر:إن خير الكلام ما ليس فيه ... عند من يفهم الكلام كلام ذم عي متقعر: قيل: أعيا العي بلاغة بعي. محمد بن وهيب:تشبهت بالأعراب أهل التعجرف ... فدلّ على مثواك قبح التكلفلسان عرابي إذا ما صرفته ... إلى لغة الأعراب لم يتصرفوقال أبو الأسود لابن صديق له: ما فعلت امرأة التي كانت تساره وتضاره وتماره؟ فقال: طلقها فتزوج بها فلان فحظيت وبظيت. فقال أبو الأسود: ما معنى بظيت؟ فقال: كلام لم تدر من أي بيض خرج وفي أي عش درج. فقال: إن ما لا أعرفه فأخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.من ارتكب أمراً طلباً للسجع:خرج عبادة إلى عبادان فقيل: ما الذي جاء بك؟ فقال: لأجمع بين عبادة وعبادان. وكان علي بن رستم خرج إلى بغداد وأسلم فكتب إلى أهله: كتابي إليكم من مدينة السلام عن سلامة وإسلام. فقال: أخوه ما خرج أخي وأسلم إلا طلب أن يكتب هذه المسجعة. ما حد به العي وذمه: قال أكثم: العي أن تتكلم بفوق ما تقتضيه حاجتك. وقيل: العي معنى قليل يحويه لفظ كثير. وقيل: العي داء دواؤه الحرس. وقيل: لا عي ولا شلل. وتكلم رجل عند معاوية وكان ذا عي فقال عمر: وسكوت إلا لكن نعمة! فقال معاوية: وكلام الأحمق نقمة! قال النمر بن تولب:أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا الآفات المعترضة للسان من العي: اللثغة تغيير في القاف والسين واللام والراء، والتمتمة التتعتع في التاء، والفأفأة في الفاء، واللفف إدخال حرف في حرف؛ وإياه عنى الشاعر بقوله:كأن فيه لففا إذا نطقوالتلجلج يقارب ذلك، والحبسة ثقل في الكلام، والعقله اعتقال اللسان، والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا باستدلال، وأصله في الفحل إذا عجز عن الضراب. وقيل: لا يصفو كلام من يكون منزوع الثنيتين. ما يعرض في بعض اللغات من العي: كشكشة تميم وهو قلب كاف المؤنث شيئاً نحو:فعيناش عيناها وجيدش جيدهاوكسكسة بكر وهي قلبها سيناً، وعنعنة تميم كقوله: ظننت عنك ذاهب. والعجرفة جفاء في الكلام، واللخلخانية تعرض في أعراب الشحر وعمان، والطمطمانية لغة في حمير كقولهم طاب امهواء أي طالب الهواء. استعمال كل كلام مع الجنس المخصوص به: قيل: الكلام بذلة ومدخر، فمن تكلم وقت البذلة بالمدخر أتعب نفسه، ومن تكلم وقت المدخر بالبدلة هجن نفسه.من خاطب عامياً بتفاصح وتذلق:اشترى رجل من أصحاب يعقوب الكندي جارية، فاغتاظت عليه فشكاها إلى يعقوب فقال: جئني بها لأعظها. فجاء بها إليه فقال: يا لعوبة ما هذه الاختيارات الدالات على الجهالات؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات من الموبقات على طالبي المودات، الباذلين الكرائم المصونات موذنات بعدم المعقولات؟ فقالت الجارية: أما علمت أن هذه العثنونات المنتشرات على صدور أهل الركاكات محتاجات إلى المواسي الحالقات؟ قال يعقوب: لله درها فلقد قسمت الكلام تقسيماً فلسفياً فاشدد يديك بها! فلم يستوحش من سفاهتها لما أوردت الكلام مسجعاً موزوناً. وقال نحوي لصاحب بطيخ: بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفرجلتان ودونهما الرمانتان؟ فقال: بضربتان وصفعتان ولكمتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ وصار أبو علقمة إلى كواز فقال: أعندك جرة لا فقداء ولا دناء، ولا مغربلة الجوانب، خضرة نضرة قد مستها النار، إن نقرت عليها طنت، وإن أصابتها ريح غنت، ولكن بدرهم. فقال الكواز: دعني من شتمك يا ماص بظر أمة! الأحوال الدالة على العي: من العي البهر وفتل الأصابع ومس اللحية. ولذلك قال:ملى ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابعوقال ابن المقفع: من علامة العي النكث في الأرض والإطراق من غير فكرة. المحتبس في كلامه: شاعر:كان في فيه لقمة عقلت ... لسانه فالتوى على حنقمحرك رأسه توهمه ... قد قام من عطسة على شرقوقال آخر:كأن فيه لففاً إذا نطق ... من طول تحبيس وهم وأرقوقال آخر:ديافية قلف كأن خطيبهم ... سراة الضحى في سلحه يتمطقويقال: هو عياياء طباقاء. اعتذار محتبس في كلامه: قال بعضهم: نحن حي فعال ولسن بحي مقال، ونحن بأدنى مقالنا عند أحسن فعالهم. وقال بعض وفد خراسان: إنا ببلاد نأت عن العرب شغلتنا الحرب عن الخطب. واعتذر رجل لحبسة فقال: يعزب البيان ويعتقم الصواب، وإنما اللسان مضغة من الإنسان، يفتر بفتوره إذا نكل ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. وقيل لأعرابي: أين فصاحتك؟ قال: لحقت بمواطنها بنجد. شاعر:إرفق بعبدك إن فيه بلادة ... جبلية، ولك العراق وماؤه المقام الذي لا يستنكف فيه من العي والحصر: سئل ابن داود متى يكون البليغ عيباً؟ فقال: إذا سأل عما يتمناه وشكاه حبه إلى من يهواه. ثم أنشد:بليغ إذا يشكو إلى غيره الهوى ... وإن هو لاقاه فغير بليغوقال بعضهم: موطنان لا آنف من الحصر فيهما: إذا شكوت إلى محبوبي عشقي، وإذا سألت حاجة لنفسي. المحسن في كلامه ابتداء والمسيء انتهاء: تكلم ابن ثوابه ثم غلط في آخره. فقال أبو العيناء: ترفعت حتى خفتك ثم تخفضت حتى عفتك. وتكلم رجل فأحسن ثم أعاد فأساء. فقال له أعرابي: إنك تسترجع محاسنك. وصف كلام غير مفهوم: قال الله تعالى حكاية عن فرعون: " أم أن خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين " .قال الشاعر:قلت لما بدا يجمجم في القو ... ل ويهذي كأنه مجنونأنت حقاً شبيه ما ذكر ... الله مهين ولا يكاد يبينمحمد بن صالح:يهوى إلي بأقوال يلفقها ... فلا أعي منه شيئاً وهو يسمعنييلقى صداي صفير الطير من فمه ... مخاطباً وهو إنسان يكلمني المستقبح إنشاده: قال عبد الله بن معاوية:يزين الشعر أفواه إذا نطقت ... بالشعر يوماً وقد يذري بأفواهأبو خليفة:كأن الشعر من فيه إذا تمت ... قوافيه كنيف قد خري فيه ذم من يطول سكوته عيا: قال الشاعر:يا صنماً في الصمت لا في الحسنووصف رجل آخر فقال: يصلح لصدور المجالس ونظم المحافل ما لم يكن كلام. كلمات لأهل العي: قال الحجاج لأبي الجهمة النخاس: أتعيب الدواب المعيبة من جند السلطان؟ فقال: شركتنا في هوازها وشركتنا في مدانيها، وكما يجيء يكون. قال الجاحظ: طلبت بعض أصدقائي في داره فلم أجده، فقلت لجاريته: إذا حضر صاحبك فقولي له إن الجاحظ كان بالباب. قال: نعم الجاحد بالباب! قلت: قولي الحدقي. قالت: نعم الجلقي. فقلت: عليك بالأول! المتكلم بكلام غير متسق: دق رجلان على باب نحوي فقيل: من؟ فقال أحدهما: أنا الذي اشترى عبد الله كلم الآجر، وقال الآخر: أنا الذي أبو يعقوب الجصاص عقد طاق باب هذه الدار. فقال صاحب الدار: انصرفا فما أرى لكلاميكما صلة. وقال رقبة بن مصقلة: ما أعجزني شيء كما أعجزني رجل قام إليّ يوماً وقد دخلت المسجد فقال: إني رأيتك فشبهتك بي فأعجبني ذلك لك وأنا فيه متفكر بعد، ولا أدري ما معنى كلامه! من جارى غيره فلحن فأجابه بمقتضى كلامه: قال رجل أعرابي: كيف أهلك! قال: صلباً؛ أراد كيف أهلك. وقال الوليد لرجل: من ختنك؟ قال: الحجام! فضحك القوم وخجل الوليد؛ وإنما أراد أن يقول من ختنك. ومر رجل بدار ميت فقال: من المتوفي؟ قال له رجل: الله. فقال له: يا كافر، الله يموت؟ فقال: لعلك تريد المتوفّى؟ من سئل عن نحو فأجاب بمقتضى اللغة: قيل لرجل: هل ينصرف إسماعيل؟ قال: نعم إذا صلى العشاء فما قعوده؟ وتعرض بعضهم للطائي حين أنشد:وهن عوادي يوسف وصواحبهفقال: إن يوسف لا ينصرف. فقال: اصفعه حتى ينصرف! وقال نحوي لأعرابي قال: أعجبني القصر، بم يرفع القصر؟ فقال: بالآجر والجص. وقيل لأعرابي: أتجر فلسطين؟ فقال: إني إذاً لقوي! فقيل: أتهمز إسرائيل؟ فقال: إني إذاً رجل سوء! وقيل: أتهمز الفأرة؟ فقال: الهرة تهمزها. وحكي أن جماعة عند محمد بن بحر اختلفوا في بناء سراويل، فدخل البرقي فقال: فيم كنتم؟ فقالوا: في بناء سراويل فما عندك فيه؟ قال: مثل ذراع البكر أو أشد. وحكي أن أبا سعيد السيرافي سأل أبا الحسن الموسوي وهو صغير: إذا قلت رأيت عمراً فما علامة النصب فيه؟ فقال: بغضه لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه!.من أنكر لحناً بنادرة:مر رجل بأديب فقال: كيف طريق البغداد؟ قال: بالحذاء. ثم مر به آخر فقال له: كيف طريق كوفة؟ فقال: من ههنا، وبادر مع ذلك المار ألف ولام تحتاج إليهما، وهو مستغن عنهما فخذهما منه! وقال رجل لأبي العيناء: أتأمر بشيأ؟ فقال: نعم بتقوى الله وحذف الألف من شيأ. وكان رجل يسقي صديقاً له صرفاً ويغني له:يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة ما بين الأنف والعين سالمفقال: أحب أن تجعل ماك من البيت في القدح. من اعتذر عن لحنه بعذر مستملح: قصد رجل الحجاج فأنشده:أبا هشام ببابك ... قد شم ريح كبابكفقال: ويحك لم نصبت أبا هشام؟ فقال: الكنية كنيتي إن شئت رفعتها وإن شئت نصبتها! وكتب محمد الأمين فيما أظن، على ظهر كتاب:عشقت ظبياً رقيقاً ... في دار يحيى بن خاقاوكتب تحته: أردت خاقان، وخاقان مولى لي إن شئت أنبت نونه وإن شئت أسقطته. وقال رجل لآخر: ما اشتريت؟ قال: عسل. فقال: هل لا زدت في عسلك ألف؟ فقال: وأنت هلا زدت في ألفك ألفاً؟من أنكر لحناً بطبعه:سمع أعرابي مؤذناً يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، بالنصب. فقال الأعرابي فعل ماذا؟ فهذا علم بطبعه أنه لم يأت بخبر أن. وسمع رجل آخر يقرأ: وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر، بفتح الكاف والفاء، فقال: لا يكون هذا. فقالوا: كفر! فقال: أم هذا فنعم. المتأذى بلحنه: قدم رجل على زياد فقال: إن أبونا مات، وأخينا وثب على مال أبانا فضيعه! فقال زياد: الذي وضيعته من لسانك أضر عليك مما ضيعه أخوك من مالك! ومر عثمان رضي الله عنه برماة يسيئون الرمي فقال: ما أسوأ رميكم! فقال بعضهم: نحن متعلمين! فقال: كلامكم أسوأ من رميكم! ودخل الخليل على مريض نحوي وعنده أخ له فقال للمريض: افتح عيناك وحرك شفتاك؛ إن أبو محمد جالساً. فقال الخليل: أرى أن أكثر علة أخيك من كلامك! وسمع الأعمش إنساناً يلحن فقال: من هذا الذي يتكلم وقلبي منه يتألم؟ المتفادى في كلام الكبار عن كلام فيه إيهام: دخل سعيد بن مرة على معاوية فقال له: من أنت؟ فقال: أنت سعيد وأنا ابن مرة. وقال السفاح للسيد الحميري: أنت السيد! قال: أنا ابن أبي وأمير المؤمنين هو السيد! وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد: أنت أكبر أم أنا؟ فقال رسول الله أعز وأكبر، وأنا أقدم منه في المولد! وقال عمرو بن عثمان لطويس: أينا أسن، فقال: لقد شهدت زفاف أمك المباركة على أبيك الطيب، فلم يجعل الطيب صفة للأم تفادياً من سوء ظن فيه. وفي ضد ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل: أتبيع هذا الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال: لقد علمتم لو تعلمون قل لا وعافاك الله. وتكلم بعض أهل زماننا عند الصاحب سأله عن شيء فقال: لا أطال الله بقاءك. فقال: قل لا وأطال الله بقاءك، فقال بعضهم: ما رأينا واواً أحسن موقعاً من واوك! مما جاء في مفاضلة النطق والسكوت والمقال والسماع تفضيل النطق على السكوت: قيل لزيد بن علي: الصمت خير من الكلام. فقال: لعن الله المساكتة فما أفسدها للسان، وأجلبها للحصر والله المماراة أسرع في هدم العي من النار إلى يبيس العرفج. واختصم رجلان إلى سعيد ابن المسيب في النطق والصمت فقال: بماذا أبين لكما ذلك؟ فقالا: بالبيان، فقال: إن الفضل له وقيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة. فقال: ولكنه قفل الفهم. قال الشاعر:خلق اللسان لنطقه وبيانه ... لا للسكوت، وذاك حظ الأخرسفإذا جلست فكن مجيباً سائلاً ... إن الكلام يزين رب المجلس الحث على الإكثار من الكلام: قال حكيم: لولا سوء العادة لأمرت فتياني أن يماري بعضهم بعضاً. وقال العتابي: أقدر الناس على الكلام من عود لسانه الركض في ميادين الألفاظ. طول الصمت حبسة وترك الحركة عقلة.أبو عطاء:أقلبه كيلا يكل بحبسة ... وأبعثه في كل حق وباطل تفضيل الصمت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله عبداً صمت فسلم أو قال خيراً فغنم؛ فجعل الصمت أفضل لأن السلامة أصل والغنيمة فرع. قال الشاعر:أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرونوقال آخر:مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام تفضيل كل واحد منهما في أوانهما والتمدح بهما: قيل لبعضهم: السكوت أفضل أم النطق؟ فقال: السكوت حتى يحتاج إلى النطق، فإذا احتيج إلى النطق فالسكوت حرام. وقيل ليونس بن حبيب: السكوت أفضل أم الكلام؟ فقال: السكوت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطأ. وقيل: الضراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه.قال الشاعر:والصمت أزين بالفتى ... من منطق في غير حينهوقيل: ربما كان الصمت أبلغ من الإبلاغ في النطق مع عدم إصابة الفرصة.ابن الرومي:ناهيك من صمت بلا عي به ... وكذاك من لسن بغير سفاهملكت سكينته عليه أمره ... فكأنه ساه وليس بساهابن علقمة:صموت في المجالس غير عي ... جدير حين ينطق بالصواب ذم الإكثار من الكلام: قيل: من أكثر أهجر المكثار كحاطب الليل. من أطلق لسانه بكل ما يحب كان أكثر مقامه حيث لا يحب.الجريمي:وخير حال الفتى في القول أقصدها ... بين السبيلين لا عي ولا هذروقال إياس لخالد بن صفوان: لا ينبغي أن نجتمع في منزلك، لأنك تحب أن لا تسكت، وأنا أحب أن لا أسمع. الحث على ترك فضول الكلام: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله من أمسك الفضل من قوله " . قال عبد الله بن الحسين لابنه: استعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعو نفسك إلى الكلام. فإن للقول ساعات يضر خطؤها ولا ينفع صوابها. وقيل: من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وقال عبد الله بن طاهر لبعض منادميه: يا هذا أما أقللت فضولك أو أقللت دخولك؟ وقيل: فضل النظر يدعو إلى فضل القول.الحث على السكوت مطلقاً:قيل: إن كانت العافية من مالك فسلط السكوت على لسانك. الصمت داعية المحبة. الصمت زين العاقل وستر الجاهل.قال الشاعر:لو كان من فضة تكلم ذي النطق لكان السكوت من ذهب الحث على تدبر الكلام قبل إيراده: قال الحسن: لسان العاقل من وراء قلبه. فإذا أراد الكلام رجع إليه، فإن كان له تكلم به وإلا تركه، ولسان الجاهل قدام قلبه يتكلم بما عرض له. وقيل: من لم يخف الكلام تكلم، ومن خافه تبكم قال الشاعر:تأمل فلا تستطيع رد مقالة ... إذا القول في زلاته فارق ألفماوقال بعضهم: ذر الرأي الفطير والكلام القضيب فلا يطيب الخبز إلا بائتاً. التحذير من جناية اللسان: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الأجوفان البطن والفم. وقيل فيما روي عنه: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ وكان لقمان عبداً أسود لبعض أهل الأيلة فقال له مولاه: اذبح لنا شاة وائتنا بأطيب مضغة فأتاه باللسان، فقال له: اذبح لي أخرى وائتني بأخبث مضغة. فأتاه باللسان، فقال له في ذلك فقال: ما شيء أطيب منه إذا طاب، ولا أخبث منه إذا خبث. وقيل: لم يستر من الجوارح شيء كما ستر اللسان فإن عليه طبقتين وسترين. وقيل لحذيفة: لم أطلت سجن لسانك؟ فقال: لأنه غير مأمون الضرر إذا أطلق. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. قال الشاعر:كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الأقران؟ متكلم بكلام أدى إلى هلاكه: بينما المنذر في بعض متصيداته إذ وقف على رابية فقال بعض أصحابه: أبيت اللعن، لو أن رجلاً ذبح على هذا الرابية إلى أي موضع عسى أن يسيل دمه؟ فقال: أنت والله المذبوح لننظر ذلك، وأمر به فذبح. ومر ببهرام طائر بالليل فصاح، فرماه بسهم فأصابه فقال: لو سكت الطائر لكان خيراً له. التثبت في الجواب والتسرع فيه: سأل يهودي النبي صلى الله عليه وسلم مسألة فمكث عليه السلام ساعة ثم أجابه عنها، فقال اليهودي: ولم توقفت فيما علمت؟ قال: توقيراً للحكمة. وقيل: من إمارة الحكيم التروي في الجواب بعد استيعاب الفهم. وقيل: من علامة الحمق سرعة الجواب وطول التمني، والإستغراب في الضحك، وقال رجل لاياس: ليس فيك عيب غير أنك تعجل بالجواب؟ فقال: كما أصبع في يديك؟ فقال الرجل: خمس، فقال: لقد عجلت أيضاً، فقال: هذا علم قد قبلته، فقال إياس: وأنا أعجل أيضاً في ما قد قبلته علماً. الحث على حسن الإستماع والممدوح به: قيل: تعلم حسن الإستماع كما تتعلم حسن المقال، ولا تقطع على أحد حديثاً. وقيل: استمع فسوء الإستماع نفاق. وقيل: للسائل على السامع ثلاثة أمور: جمع المال، وحسن الإستماع، والكتمان لما يقتضي الكتمان. وقيل: أساء سمعاً فأساء إجابة. وقال فيلسوف لتلميذ له: أفهمت؟ قال: نعم. قال: كذبت، لأن دليل الفهم السرور ولم أرك سررت؟ وقيل: نشاط القائل على قدر فهم السامع. وقيل: من سعادة القائل أن يكون المستمع إليه فهيماً. وقيل: فلان في الإستماع ذو أذنين، وفي الجواب ذو لسانين.قال الشاعر:إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا قالوا بحسن بيانوقال رجل: أذني قمع لمن يحدثني. النهي عن محادثة من ساء استماعه: قيل: من لم ينشط لاستماع حديثك فارفع عنه مؤنة الإستماع. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم إعراضاً فأمسك. وقيل: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه. وقيل: حدث حديثين امرأة، فإن لم تسمع فأربع أي كفّ. الحث على ازدياد السمع على المقال: سمع بقراط رجلاً يكثر من الكلام فقال له: إن الله تعالى جعل للإنسان لساناً واحداً وأذنين ليسمع ضعف ما يقول. تفضيل السماع على المقال: كان أعرابي يجالس الشعبي فأطال الصمت، فسأله عن ذلك فقال: أسمع فأعلم، وأسكت فأسلم. وقيل لأعرابي: لم لا تتكلم؟ فقال: حظ لسان الرجل لغيره وحظ سمعه له. وقال محمد بن المنكدر: لأن أسمع أحب إلى من أن أنطق، لأن المستمع يتقي ويتوقى. الحث على التصامم عن الخنا والتمدح به: محمود الوراق:وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق بهأبو تمام:أذن صفوح ليس يفتح سمها ... لدنيئة وأنامل لم تقفلوقال آخر:فتى عزت عنه الفواحش كلهاوقال آخر:عي عن الفحشاء أما لسانه ... فعف، وأما طرفه فكليلالموسوي: إذا العدو عصاني خاف حديدي ... وعرضه آمن من هاجرات فميوله أيضاً:ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب يعرب مما جاء في المذاكرة والمجادلة فضل المذاكرة في العلوم: قال الله تعالى: وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة. وقال ابن المقفع: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيماً، ولا تعف طبعك من المناظرة فيعود سقيماً. وقال الحسن رضي الله عنه: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور. وقال المأمون: لاتتقد مصابيح الأذهان إلا بصفو مواردها. وقيل: من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.المستكثر بمناظرته الفائدة: قال رجل لآخر: مناظرة مثلك في الدين فرض،والاستماع منك أدب، ومذا كرتك تلقيح للعقل. وقال عمر بن عبد العزيز: ما كلمني أسديّ إلا تمنيت أن يمد في حجته لتكثر منه فائدتي.الممدوح بإجادة المناظرة: مدح أعرابي رجلاً فقال: يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويسد على خصمه واضح المحجة. وقيل: أورد فلان ما لا ينكره الخصم ولا يدفعه الوهم، وما رأيت أسكن نوراً وأبعد غوراً وآخذ بإذن حجة منه.قال الشاعر:إذ قال بذّ القائلين مقاله ... ويأخذ من أكفائه بالمخنقالعجير:من النفر المدلين في كل حجّة ... بمستحصد من حوله الرأي محكموقال آخر:يتقارضون إذا التقّوا في مجلس ... نظراً يزل مواقع الأقدامكان ذلك من قول الله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم.البحتري:أحضرته حججاً لو اجتلبت بها ... عصم الجبال لأقبلت تتنزّلأبو مسلم:يجوب ضباب معاني الكلام ... بحذف الصّواب لدى المجمعوقال بشر بن المعتمر لأبي الهذيل عند المأمون بعد مناظرة كانت بينهما: كيف رأيت وقع سهمي؟ فقال: حلوة كالشهد، ولينة كالزبد، فكيف ترى سهامنا؟ فقال: ما أحسنت بها! قال: لأنها لاقت جماداً! صعوبة الجدال: قال ابن الراوندي:ما التصدي للحراب والقضاب ومبارزة الأبطال بأصعب من التصدي للجواب لمن أمك بالسؤال. وقال: تحت كل لم أسد ملم.نظر يزل مواقع الأقدام: وسئل الشعبي عن مسألة فقال: زيادات وبر لاينساب ولا تنقاد، لو نزلت بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: لأعضلت.الدافع باطل خصمه بحقه: قيل: لا تدفع الباطل بالغلبة إذا أمكنك أن تدفعه بالحجة. وقال ابن عباس: عجباً لمن يطلب أمراً بالغلبة، وهو يقدر عليه بالحجة، فالحجة دين يعقد به الطاعة، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة.وقال ثعلبة:ولرب خصم جاحدين ذوي شذا ... تقذي صدورهم بهر هاترلقد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهروقال آخر:ألا رب خصم ذي فنون علوته ... وإن كان الوى يشبه الحق باطلهوهذا معنى قول العتابي: البلاغة تصوير الباطل في صورة الحق.المشاغب من يشاغبه: أبو الأسود:فشاغبته حتى ارعوى وهو كاره ... وقد يرعوي ذو الشغب بعد التّحاملفإنك لم تعطف إلى الحق جائراً ... بمثل خصيم عاقل متجاهلوقال آخر:وما خصم الأقوام من ذي خصومه ... كمثل بصير عالم متجاهل القائم في المناظرة مقام الغيب: شاعر:ومشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصي الناس مشهودفرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ، وقلب غير مردودوقال حسان:كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي حاجة في القول جداً ولا هزلاً الموصوف بإنصاف النظار لديه والسكون في مجلسه: أبو تمام:ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة ... في رحله ألسن الأقوام والركبلا المنطق اللخي يزكو في محافله ... يوماً ولا حجّة الملهوف يستلبالمتنبي:الفاصل الحكم عيّ الأولون به ... ومظهر الحق للساهي على الذهنوكان أبو الشمر إذا ناظر لم يحرك يديه ولا رأسه ولا منكبيه، حتى كأن كلامه يخرج من صدع صخره.وقال الأنصاري: مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المحاجرالمتنبي:وإذا هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزلوهذا منقول من قول الآخر:واستبّ بعدك يا ... كليب المجلس المدفوع عن حجة قوية لا تعرف لغموضها: قال ابن الرومي:غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الحق المحقيضل عن الدقيق عقول قوم ... فتحكم للمجلّ على المدقّوقيل: ما دق من الكلام يعجز عنه كثير من الأنام فينسب إلى الإحالة، وإن كان في غاية الجلالة. ولذلك قال أبو تمام:فصرت أذلّ من معني دقيق ... به فقر إلى فهم جليل مدح الراجع إلى الحق في المناظرة: قال عمر رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وقيل: المبطل مخصوم وإن خصم، والمحق فالج وإن خصم. وقال عمر رضي الله عنه يوماً: أيها الناس ما هذه الصدقات التي أحدثتم لا يبلغني أن أحداً تجاوز صداق النبي صلى الله عليه وسلم: إلا استرجعته منه؟ فقامت إليه امرأة فقالت: ما جعل الله ذلك إليك يا ابن الخطاب، إن الله تعالى يقول: " وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً! فقال عمر: أما تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت أميركم فنضلته؟ وقال الشعبي: إني لأستحي أن أعرف الحق فلا أرجع إليه. وقيل: لم ير أذعن للحجة إذا لزمته من عمرو بن عبيد. المستمر على خطئه وقد بان له الصواب: قال عمارة: إني لأمضي على الخطأ إذا أخطأت أهون علي من نقض وإبرام في مجلس واحد.وقال بعضهم: نعم المركب اللجاج بعد الحجاج. ذم من تشكك في الضروريات: قيل: من شك في المشاهدات فليس بتام العقل.المتنبي:وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليلحكى المتكلمون أن جماعة يلقبون السوفسطائية يقولون: لا نعرف لشيء حقيقة. ويقولون: لما كان أحدنا يرى الشيء في رقدته فيتصور له بصورة ما يشاهده في يقظته ونرى الصورة في الماء ثم لا حقيقة لها، لم يمتنع أن لا يكون لما نعانيه ونشاهده حقيقة. وذكر بعض العلماء: أنه لم يكن قط على هذه الصفة أحد، وإن السوفسطائية إنما هو شيء من توليدات المتكلمين ومنحولاتهم. ذم القاصر عن المناظرة: قال الله تعالى: " أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " ؟ وقيل لبعضهم: كيف رأيت فلاناً في المناظرة؟ فقال: عيياً غبياً. وقال ابن أبي الطاهر في المبرد:يفر من المناظر إن أتاه ... ويرمي من رماه من بعيدونحوه ما قيل: فلان إذا تباعد ضبح ضبوح الثعلب، وإذا حضر قبع قبوع القنفد. ذم المراء في المناظرة: روي في الحديث: من تعلم العلم لأربعة دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يستميل به وجوه الناس إليه. قال ابن عباس لمعاوية رضي الله عنهما: هل لك في مناظرتي في ما زعمت؟ قال: وما تصنع بذلك فأشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ويبقى في قلبي ما يضرك. وقيل: الناس رجلان: عالم فلا تماره، وجاهل فلا تجاره.زيد بن جندب:ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهم ... عن الجدال وأعناهم عن الشغب!وقيل: إذا تشاجرت الخصوم طاشت الحلوم، ونسيت العلوم. وقيل: من ترك المراء فهم وعلم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل " . وقال سفيان: ما ابتدع قوم إلا أعطوا الجدل. الحث على السؤال على غير تعنت: قيل إذا جالست عالماً فسل تفقهاً لا تعنتاً وقال مسهر: سألت مالكاًعن شيء فقال: لا تسألني عما لا تريد فتنسى ما تريد وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وقد أكثر من سؤاله تعنتاً: اتركوني ماتركتكم. وقال عليه الصلاة والسلام: إن بني إسرائيل هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. النهي عن المناظرة ما أمكن: قال ابن المقفع: لا تعرضن عقلك على الناس، فإذا اضطرك أمر فكن كصاحب الشطرنج يبني أمره علي القائمة، فإن وجد ضربة غريبة انتهزها، وإياك أن تبتدىء في مجلس لم تسبر عقول أصحابه، فبين العقول بون بعيد. ذم الجلبة وخوض الكل في الكلام: قيل: لايميل إلى الجلبة واللجاج إلا من عجز عن الغلبة بالحجاج. وقال المأمون لهاشمي حضر مجلسه فناظره وشغب:لاترفعن صوتك يا عبد الصمد ... إن الصواب في الأسدّ لا الأشدّوقال عمر بن عبد العزيز لرجل كان يكثر الصياح والجلبة: اخفض الصوت، فلو نيل خير برفع الصوت لأدركه الحمير والكلاب. وكان أحمد بن الخضيب إذا ناظر شغب وجلب، وربما رفس من يناظره فقال فيه بعض المحدثين يخاطب الخليفة المنتصر:قل للخليفة: يا ابن عم محمدٍ، ... أشكل وزيرك إنه ركّالقد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور مجالوهذا يقارب ما روي أنه شكا إلى المأمون من بعض قضاته أنه يعض الخصوم فوقع: ليشنق!وأنشد الأصمعي:حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنز والدبا في العرفج المتقاربمسلم ابن عباس:كأن بني رالان إذا جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهن سويق الحث على المخالفة ودفع الصواب بالخطأ: قالت أعرابية لابنها: إذا جلست مع القوم فإن أحسنت أن تقول كما يقولون وإلا فخالف تذكر، ولو كان بتعليق أير حمار في عنقك. وقال أعرابي: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علماً. وقال بعضهم: خالف تذكر. فقالوا: إنما هو تنكر، فقال: هذا أول الخلاف. ذم مخالف ألد في كل صواب: قال الله تعالى: " لتنذر به قوماً لدا " . وقال تعالى: " بل هم قوم خصمون " . وقال تعالى: " فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد " . وقال الشاعر:رقيع خصيم في الصواب كأنه ... بردّ على أهل الصواب موكلوقال ديمقراطس: عالم معاند خير من جاهل منصف. فقال تلميذه: الجاهل لايكون منصفاً، والعالم لايكون معانداً. وقيل: كثرة الخلاف حرب، وكثرة الموافقة غش. المستأذن في سؤال مسألة: قال ابن شبرمة لإياس بن معاوية: أتأذن لي في مسألة ألقيها عليك؟ فقال إياس: استربت بك حين اسأذنت، فإن كنت لا تسوء جليساً ولا تشين مسؤولاً فهاتها. وقال أبو العيناء لعبيد الله: أسأل أم أسكت؟ فقال: إن سألت أفدت، وإن سكت كفيت. شروط المناظرة: اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط، أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلاً، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوّزت إلى تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلاً منا يبني مناظرته على أن الحق ضالته والرشد غايته. وقال أبو يعقوب الخطابي لجلسائه: إنما اجتمعتم للأدب لا بجوار ولا نسب، فوفوه حقه ولا تثلبوا أحداً، فمن ثلب ثلب، وإياكم والمراء في الأديان فإنها مفسدة بين الإخوان ونقص عند أهل الزمان، وعليكم بالأصول ولاتكثروا فتملوا، واستريحوا إلى ما يوافق من الأدب فإنه غض أبداً غير مملول، ولا تتجاوزوا في النحو قدر الحاجة فغاية الحاذق فيه معروفة. وقيل: كان يعقوب الخطابي إذا جلس إليه أصحابه يقول: اعفونا من ثلاث وخوضوا بعد فيما شئتم: من ذكر السلف، وأن تقولوا فلان خير من فلان، ومن ذكر القدر.مدح الجواب الحاضر: قال مسلمة بن عبد الملك: ما أوتي العبد بعد الايمان بالله شيئاً أحب إلي من جواب حاضر، لان الجواب اذا كان بعد نظر وتفكر لم يكن بشيء. ألم تسمع قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟ إلى قوله: فبهت الذي كفر. وقال عمرو بن العاص: ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عباس رضي الله عنه لبداهته. وقال الحجاج: من لم يخف الجواب تكلم، ومن خافه تبكم.قال الشاعر:ما أحرّ الكلام يرحمك الله ولكن أحرّ منه الجواب!اضجاع القسى والاعتماد عليها في الخطاب: وما جاء من الأجوبة فهي مذكورة في أمكنتها المختصة بها. كانت العرب إذا اجتمعت للمناظرة والمفاخرة يضجعون قسيهم ويعتمدون عليها.وقال الحطيئة في مرثية:أمن يخصم مضجعين قسيهم ... صفر خدودهم عظام المنخروقال:إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا مما جاء في وصف الشعر والشعراء الرخصة في نسج الشعر وإنشاده: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لحسان بن ثابت: أهجهم وروح القدس معك! وقد مدحه غير شاعر فحباه وأجازه. وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما شاعرين وعلي رضي عنه أشعر منهما، ولما قال الجعدي فيه صلى الله عليه وسلم:بلغنا السّما عن جدّنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ فقال: إلى الجنة يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: لا فض فوك! وروى أبو الغطريف الأسدي عن جده قال: عدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: لا باس بالشعر لمن أراد انتصافاً من ظلم، واستغناء من فقر وشكراً على إحسان. وعاب بعض الناس الشعر عند ابن عباس وكان قد قام إلى الصلاة فقال:إن يصدق الطير ننك لميساثم قال عقيبه: الله أكبر، ودخل في الصلاة. وقال أبو بكر رضي الله عنه: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم: وشاعره عنده ينشده، فقلت له: أشعر وقرآن؟ فقال: هذا مرة وهذا مرة. جواز إجازة الشعراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إعطاء الشعراء من بر الوالدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: في شاعر مدحه وعاتبه في بعض ما فعله: اقطعوا لسانه! يعني بالعطية، وأعطى الزهري شاعراً، فقيل له في ذلك فقال: إن من الخير اتقاء الشر. وحرم الشعراء الحجاج في أول مقدمه العراق فكتب إليه عبد الملك: أجز الشعراء فانهم يجتبون مكارم الأخلاق ويحرضون على البر والسخاء.قال الشاعر:صونوا القريض فإنه ... مثل المياسم في المواسمالشعر جامعة المفا ... خر والمحاسن والمكارم منفعة الشعر: قال الحجاج للمساور بن هند: لم تقول الشعر؟ فقال: أسقي به الماء، وأرعى به الكلأ، وتقضى لي به الحاجة، وإن كفيتني تركه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الشعر يسكن به الغيظ، وتطفأ به النائرة، ويتبلغ القوم، ويعطى به السائل، وقال: نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدمها بين يدي الحاجة، يستعطف بها الكريم ويستنزل به اللئيم؟ وقال عبد الملك: تعلموا الشعر ففيه محاسن تبتغي ومساوىء تنقى.ابن الرومي:وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخراتوقال أبو تمام الطائي:ولولا خلال سنها الشعر ما درت ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم؟؟ ذم نسجه والتكسب به: قال الله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " ! و " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه! وقيل: لا تؤاخ شاعراً فإنه يمدحك بثمن، ويهجوك مجاناً. وسئل بعضهم عن حوك الشعر فقال: هو أسرى مروءة الدنيء، وأدنى مروءة السري. وسئل عوف بن أمية السكوتي عن نسج الشعر فقال: إن جددت كذبت، وإن هزلت أضحكت، فأنت بين كذب وإضحاك! وقيل للبيد: لمَ لا تقول الشعر؟ فقال: في سورة البقرة وآل عمران شغل عن الشعر.الكلب والشاعر في منزل ... فليت أني لم أكن شاعراً!هل هو إلا باسط كفه ... يستطعم الوارد والصادرا!وقال:ما أجد آكلا للسحت ولا أوضع ولا أطمع وأطبع وأقل نفسا من شاعر متكسب بشعره!وقال الحسن رضي الله عنه في الفرزدق حين أوعده بالهجاء:هذا الذي جعل إحدى يديه سطحا والأخرى سلحاً، فقال: إن أصلحتم سطحي، وإلا رميتكم بسلحي. ولما حبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحطيئة بسبب الزبرقان ثم عفا عنه قال: إياك والشعر! فأخرج لسانه وقال: ما لأولادي كاسب غيره! قال عمر: فلا تهجهم. فقال: إن لم أهجهم لم يفرقوني فلا يعطوني. قال: فاذهب فبئس الكسب كسبك! تعظيم الشعر: مر الفرزدق بمؤدب، وكان ينشد عليه صبي قول الشاعر:وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامهافنزل وسجد. فقال المعلم: ما هذا؟ فقال: هذه سجدة الأشعار نعرفها كما تعرفون سجدة القرآن. ولما قدم أبو تمام على الحسن بن رجاء، فأنشده قصيدته فيه حتى إنتهى إلى قوله:لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي ؟ قام قائما، وقال: والله ما سمعتها إلا وأنا قائم لما تداخله من الأريحية، فلما فرغ قال: ما أحسن ما جلوت هذه العروس! فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أوفى مهر لها. ما استحبه الأكابرمن فرص الشعر: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: إنك قد لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر شريفة والهجاء فتهجن كريما أو تثير لئيما، وإياك والمدح فهو كسب الأنذال، ولكن أفخر بمآثر قومك، وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، وإن لم تجد من المدح بدا فكن كالملك المرادي حين مدح فجمع في المدح بين نفسه وبين الممدوح فقال:أحللت رحلي في بني ثعل ... إن الكريم للكريم محلقال الشاعر:أشغل قريضك بالنسيب ... وبالفكاهة والمزاحيا مادح القوم اللئا ... م، وطالبا نيل السماح! مدح جماعة من الشعراء وتفضيل بعضهم على بعض: ذكر امرؤ القيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، يجيء يوم القيامة وبيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار!قال الأصمعي:مارأيت خمسة من العلماء قط إلا وأربعة منهم يقدمون امرأ القيس، ولا أربعة إلا وثلاثة منهم يقدمونه. وسئل بعضهم: من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والأعشى إذا طرب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب. وكان أبو عمرو يكثر وصف النابغة الدبياني وطبعه وحسن ديباجته ويقدمه بعد امرىء القيس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي عمر رضي الله عنه وأنا أسايره أنشدني لأشعر شعرائكم، فقلت: من هو؟ فقال: هو زهير، إنه لا يعاطل بين الكلام ولا يتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال؛ قال ابن سلام، لم يبق في وصف الشعر شيئاً إلا أتى به في هذا الكلام. وكان معاوية يسمى الأعشى صناجة العرب، يعني أنه يطرب أطرابها. وقال محمد بن سلام: سألت عمر بن معاذ التميمي عن أشعر الناس فقال: أوس بن حجر وأبو ذؤيب فقلت: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يجيء امرؤ القيس يوم القيامة وبيده لواء الشعراء! فقال: اللواء إنما يكون مع دون الأمير. وذكر قوم جرير أو الفرزدق فقال بعضهم: جرير كان أنسبهما وأسهبهما. وسئل آخر عنهما فقال: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر! فقال: الذي يغرف من بحر أشعر. وقال مروان بن أبي حفصة:ذهب الفرزدق والفخار، وإنما ... حلو الكلام ومره لجريرولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه المشهوركل الثلاثة قد أبر بمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير الممدوح بإجادة نسجه والتمدح بذلك والحث عليه: ذكر عند أبي بكر رضي الله عنه الشعراء فقال: أشعر الناس النابغة أحسنهم شعراً وأعذبهم بحراً وأبعدهم غوراً. وقول عمر رضي الله عنه في زهير من هذا الباب، وقد تقدم آنفاً. وقيل: فلان إذا قال أسرع، وإذا مدح رفع، وإذا هجا وضع. وسئل البحتري عن أبي تمام فقال: مداحة نواحة! عدي بن الرقاع:وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادهانظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة منآدهاوقال يزيد بن الحكم متهكماً بحمزة بن بيض: إنك لأستاذ الشعر! فقال: إني لأدق الغزل، وأصفق النسج، وأرق الحاشية. ويقال: شعر مخشوب إذا كان جديداً لم يثقف. وقال ابن مقبل: إني لأرسل القوافي عوجاً فتأتيني وقد ثقفتها. وقيل: استجيدوا القوافي فإنها جراز الأشعار. الموصوف بالسلامة من الشعر: أبو تمام:يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليه المسامعإبراهيم بن رجاء:يطيب بأفواه الرماة سماعهاالناشىء:إنما الشعر من تحصل من قبل ظهور الأقوال في الأذكارفأتى لفظه يطابق معنا ... ه بحسن الإيراد والإصدارمطمع مؤيس قريب إلى الفهم بعيد الأغوار ضاحي القراروقيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ فقال: ما دل صدره على عجزه، ولم يحجبه شيء دون بلوغه. شاعر رديء النسج: أنشد رجل شعراً فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال: سكر لا حلاوة له. وأنشد عمارة شعر أبي العتاهية فمجه سمعه وقال: هو أملس المتون قليل العيون، وما كان مثله من الشعر يسمى مغسولاً. وأنشد رجل أعرابياً شعراً وقال: هل تراني مطبوعاً؟ فقال: نعم على قلبك! وأنشد رجل الفرزدق شعراً وقال: كيف تراه؟ فقال: لقد طاف إبليس بهذا الشعر في الناس فلم يجد أحمق يقبله سواك! شاعر:وأبو الدفاتر لا يزال يجيئنا ... بقصيدة قد قالها من دفتروآخر:وبات يدرس علماً لا قران له ... قد كان ثقفه حولاً فما زاداابن أبي عيينة:أقمت حولاً على بيت تقومه ... فلم تصب وسطاً منه ولا طرفا شعر رديء النسج: أنشد ابن الأعرابي:وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيلوقال العجاج في ابنه أنه يقول الشعر وابن عمه. وفي مثل هذا الشعر قال بعضهم:وبعض قريض الشعر أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظابن الحجاج:فمن كان يحوي العطر دكان شعره ... فشعري بيتا مستراح ومخرجالجماز:كأن أشعاره إذا انتقدت ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفة نهي المسيء عن نسجه: قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ قال: لأن الذي أرتضيه لا يجيبني والذي يجيبني لا أرتضيه. وعرض رجل على أديب شعراً فقال: أخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.شاعر:لا تعرضن الشعر ما لم يكن ... علمك في أبحره بحرافلا يزال المرء في فسحة ... من عقله، ما لم يقل شعراالوائلي:وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول الفصيح المجامل:إذا أنت لم تقدر على در لجة ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل مفاضلة البديهة والروية ومدح الطبع: قال ابن الرومي في الحكم بينهما:نار الروية نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويحوقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريحوقال معاوية لا بن العاص: أنا آدب منك! فقال: أنا للبديهة وأنت للروية وبينهما بون. ومما يؤكد تفضيل البديهة قول العبدي في وصف البلاغة: أن تصيب فلا تخطىء وتعجل ولا تبطىء قيل: خير الفقه ما حاضرت به.وقال الحطيئة:فهذا بداية لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهراواجتمع ابن منادر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتاً تقول في اليوم؟ قال: مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مائتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو:ألا يا عتبة الساعه ... أموت الساعة الساعهولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفاً.المتنبي:أبلغ ما يطلب النجاح به ... الطبع وعند المتعمق الزلل المعتذر لرفض طريقة من النسج: قيل لنصيب: إنك لا تحسن الهجاء. فقال: من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه الله أخزاه الله؟ ولكني رأيت الناس ثلاثة رجال: رجلاً لم أسأله فلا ينبغي أن أهجو، ورجلاً سألته فمنحني وهو الممدوح، ورجلاً سألته فلم يعط فنفسي أحق بالهجاء إذ سولت لي أن أساله؟ وقال عبد الملك للعجاج: بلغني أنك لا تحسن أن تهجو. فقال: من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها. فقال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: أن لنا عزاً يمنع من أن نظلم، وحلماً يمنع من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال: كلامك أشعر من شعرك! قال جرير: ما عشقت قط ولو عشقت لشببت، فإذا سمعت العجوز بكت على ما فات من شبابها، وإني لأرى الرجز مثل آثار الخيل في الثرى، ولولا أن سبق إليه غيري لأكثرت منه. وقيل لأبي يعقوب: شعرك في مرائي الحسن ليس كشعرك في مدحه. فقال: أين شعر الوفاء من شعر الرجاء؟ المهجو بأنه ينتحل الأشعار: أبو هفان:إذا أنشدكم شعراً ... فقولوا: أحسن الناس! ونظر أبو تمام إلى سليمان بن وهب وقد كتب كتاباً فقال: كلامك ذوب شعري. وعرض رجل على ابن الجلاب قصيدة للمتنبي وادعى أنه قالها. فقال ابن الجلاب: هذه للمتنبي. فقال الرجل: هي قصيدتي ومسودتها عندي. فقال ابن الجلاب: فمبيضتها للمتنبي عندي. وقال الصاحب لرجل عرض عليه شعراً: لو حللت عقاله لحق بأربابه. وقال أبو محمد بن المنجم: أنشدت أبا القاسم الزعفراني قول الصاحب:رق الزجاج وراقت الخمرالبيتين. فقال: لعن الله قائلهما فقد سرقهما من أبي نواس! فقلت: هما للصاحب. فقال: لعن الله أبا نواس فقد سرقهما من مولانا الصاحب، فقلت: كيف سرق أبو نواس من مولانا الصاحب؟ فقال: دعنا من هذا ما سرق إلا منه.السالب غيره شعراً قهراً:وقف الفرزدق على الشمردل فاستنشده شعراً فأنشده:وما بين من لم يعط سمعاً وطاعة ... وبين تميم غير جز الغلاصمفقال: والله لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن عرضك! فقال: خذه لا بارك الله لك فيه! وقال رؤية: خرجت مع أبي فقال في الطريق: أبوك راجز وجدك وأنت مفحم، فأنشدته:كم قد خسرنا من عذرة عنسحتى أتيت على آخرها. فقال: اسكت فض الله فاك! فلما انتهينا إلى سليمان أنشده إياها فأمر له بعشرة آلاف درهم. فقلت له في ذلك فقال: سر فأنت أرجز الناس! فسألته أن يجعل لي نصيباً مما أعطي فأبى. ودخل ابن زهير على معاوية فأنشده:لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول " الأبيات "وهي في الحماسة. فقال له معاوية: عهدي بك لا تشعر، فما لبث أن دخل معن فأنشده هذه الأبيات، فالتفت معاوية إلى ابن زهير فقال: كيف انتحلتها؟ فقال: إن معناً أخي من الرضاع وأن أحق بهذا الشعر منه! التوراة في الشعر وادعاء ذلك: التوارد أن يتفق الشاعران في معنى من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمر وبن العلاء رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادعى البحتري أنه سرقه منه:الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعبوربما ضم بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنبوقال آخر وقد أتى سلطاناً يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق:وهبني سرقت الشعر ثم مدحته ... أما كان يؤتيني عليه جزائيا؟وقال أبو المضاء:لو أن جريراً جاءه في زمانه ... وأنشده شعراً لقال: تنحلا!وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق:منزهة عن السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعار شعر أعاده قائله في غير الممدوح: أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوماً شعراً كاتب به رئيساً، وكنا سمعناه منه قبل، فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلد به من أشاء، وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها:أغالب فيك الشوق والشوق أغلبفلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:أبا المسك هل في الكاس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وأشربفجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجاباً بها. فقال أبو الفضل لبعض ندمائه: أخرج هذه القصيدة لينخفض، فلما رآها تبسم وخجل.؟؟ شعر يدل على همة قائله وحاله: قال المأمون يوماً لمن حضره: أنشدوني بيتاً لملك يدل عليه بيته وإن لم يعرف، فأنشد:أمن أجل أعرابية حل أهلها ... جيوب الفلا عيناك تبتدران؟فقال: ما يدل هذا على أنه لملك بل يجوز أن يكون هذا لسوقة من أهل الحضر، ثم قال: الدال على ذلك قول يزيد بن عبد الملك:إسقني من سلاف ريق سليمي ... واسق هذا النديم كاساً عقارافأشارته إلى النديم تؤذن بأنه ملك. وقوله لي المحض من ودهم. ويغمرهم نائلي. وقال صالح بن حسان للهيثم بن عدي: أعلمت أن النابغة الذبياني كان مخنثاً فقال: ما علمت ولا سمعت! قال: فكيف قلت قال لقوله:سقط النصيف ولم ترد إسقاطه " البيتين "والله ما يحسن هذه الإشارة إلا مخنث، فسمع ذلك الرجل من قيس فقال: بل صاحبك الأعشى هو المخنث حيث يقول:قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك، وويلي منك يا رجل! النابغ في الشعر بعد أن كان مكدياً:قال السيد الحميري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه في حديقة سجنه فيها نخل طوال، ويجنبها أرض كأنها كافورة ليس فيها أشجار. فقال لي: أتدري لمن هذه النخيل؟ فقلت: لا. فقال: لامرىء القيس: فأقلعها وأغرسها في هذه. ففعلت، فما أصبحت أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا. فقال: أما أنك ستقول مثل شعر امرىء القيس، إلا إنك تقوله في قوم طهرة، فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر، والنابغتان سميا بذلك لأنهما عاشا دهراً لا يقولون شعراً ثم نبغا فيه. تسهيل قول الشعر على ذي آلته: عمل سقراط بيتين فقيل له: ما أحسن ما قلت. فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء. سهل البديهي:وأرى القوافي لا تصير مطيعة ... إلا إلى المثرين من أدواتهاوالطبع ليس بمقنع إلا إذا ... حصلت إضافته إلى آلاتهاآخر:وما الطبع مغن وحده في نظامه ... ولا العلم من حد الطباع بنائبإذا لم تكن مجموعة أدواته ... فأيسر مبناه كنسج العناكبوقيل: أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف أو دخله كلف. من تداخله لسماعه الأنفة والحمية: كان بالمدينة فتى يتعشق امرأة، فوعدته يوماً فلما اجتمعا غنت مغنية بهذا الصوت:من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارافأبت إلا الخروج، فرجعت إلى منزلها وبعثت إلى الرجل ألف دينار وقالت: إن رغبت فيّ فاجعل هذا مهري واخطبني من أبي. ودخل رجل على أبي دلف فاستماعه فقال له: أتسأل وجدك يقول:ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسألفقال: نعم وتضجر، فلقي وكيلاً لأبي دلف يأتي بمال فسلبه واتصل الخبر بأبي دلف فقال: أنا الذي علمته هذا فدعوه. وهذا الباب من جنس منفعة الشعر. شعر سائر: أبو العتاهية:في كل أرض قرى من منطقي مثلاً ... بين المشاهد أو يبكي به وترالطرمي:لقد سار لي شرقاً وغرباً قصائد ... تغبر حسناً في وجوه القصائدالمتنبي:أبقى على كنف الأيام من كنفي ... رضوى وأسير في الآفاق من مثلالكندي:يقصر عن مداها الريح جرياً ... وتعجز عن مواقعها السهامتناهب حسنها حاد وشاد ... فحث بها المطابا والمدامالمسيب:ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماعالنابغة:أوابد كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد فدفدها التمني شعر أثر في المقول فيه فرفعه أو وضعه: كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة أستحيوا حتى قال فيهم الحطيئة:قوم هم الأنف والأذئاب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبافصاروا بعد ذلك يتبجحون به ويقولون: نحن من أنف الناقة، وغير كانوا يتبجحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر:فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابافكانوا بعد إذا سئلوا قالوا من بني عامر. وقال جرير:والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا!فقالوا: لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكوها! مفاضلة قصار الشعر وطواله: قيل لعقيل: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق! وقيل لآخر ذلك فقال: يكون أحوك وعلى أفواه الرواة أعلق. وقالت مليكة بنت الحطيئة: يا أبت كنت ترغب عن القصار فصرت ترغب فيها. فقال: لأنها في الآذان أولج، وعلى الفكر أروج، والناس إليها أحوج. وقيل لآخر مثل ذلك فقال: حسبك غرة لائحة وسمة واضحة. وقال آخر: إذا مدحتم فاقصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا، فالشر لا يمل. وقال الصاحب أن عبدان إذا أطال قصر وإذا قصر لم يقصر إعتذار من أكدى في شعره أو نادرته: قال عبد الملك لعدي بن أرطاة: لم لا تقول الشعر؟ فقال: كيف أقوله وأنا لا أشرب ولا أطرب ولا أغضب؟ وقال الفرزدق: ربما أتت علي ساعة وقلع ضرس أهون علي من قول بيت. وقال عبيد: حال الجريض دون القريض. واستأذن الغالبي على عباد فأذن له فأنشده: لما انحنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانامن لم يزل للناس غيثاً ممرعاً ... متخرقاً في جوده... " وأنسى القافية "فجعل يردد فقال عباد: قل كشحاناً أو قرناناً وخلصني، فتذكر وقال: في جوده معواناً. وتبع رجل جماعة من الشعراء دخلوا على سلطان فلما أنشدوه قال للرجل: ما عندك؟ قال: أنا من الغاوين. فقال: ما معنى ذلك؟ فقال الله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " ! فأنا غاو تبعتهم، فضحك منه وأعطاه. اشتمال الشعر على نقاية ونفاية: قال أبو عمر بن العلاء: شعر بشار سباطة الملوك، فيها قطعة ذهب وما شئت من رماد، والسباطة الكساحة. وأنشد بعضهم:يا عائب الشعر؛ مهلا ... فعيبك الشعر عيب!الشعر كالشعر فيه ... مع الشبيبة شيب!وقال بعضهم في وصف شاعر: ثوب بواف ومطرف بآلاف. وقال شداد الأعرابي: مثل الشعر مثل الإبل فيها الكرام والخساس، يسد بعضها خصاص بعض. وقيل لجرير: ما تقول في الجعدي؟ فقال: سوق خلقان ترى ثوباً يروعك وثوباً تستهجنه عينك؛ وقيل: إذا كان الكلام كله منقى لم تبن فيه اللمعة والنكتة، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس لما كان كله حكماً.المتنبي:وفي الشعر ما تهوى النفوس استماعه ... وفي الشعر ما قد ضمه حبل حاطب ضن الشاعر برديء شعره: قال عبد الله بن طاهر: آفة الشاعر البخل لأنه يقول خمسين بيتاً وفيها بيت رديء، فلا يحتمل قلبه أن يسقطه. وقيل: الشاعر كالصير في يجتهد في أن يروج ما في كيسه من الزيوف. اعتذار من قصر عن مساجلة: العتابي:ولا عار إن قصرت دون مبرز ... شأى الناس قبلي سعيه وشآنيوإني كمن جارى جواداً بمقرف ... قوائمه مشكولة بحرانومما يحسن أن يتمثل به هنا قول الدارمي:كلانا شاعر من قول صدق ... ولكن الرحى فوق التفال قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه: أحمد بن أبي الخصيب:وإني وإن أحسنت في القول مرة ... فمنك ومن إحسانك امتارها جسيتعلمت مما قلته وفعلته ... فأهديت حلواً من جناي لغارسابن طباطبا:لا تنكرن اهداءنا لك منطقاً ... منك استفدنا حسنه ونظامهفالله عز وجل يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامهوحكي أن الصاحب دخل على عضد الدولة بهمدان، وعضد الدولة مكب على دفتر يقراه، فقال: يا أبا القاسم هذه رسالة لك في بعض فتوحنا، نحن نأخذها بأسيافنا وأنت تجملها بأقلامك. فقال: المعنى مستفاد من مولانا وإن كانت الألفاظ لخادمه، ثم أنشده:وأنت أكتب مني في الفتوح وما ... تجري مجيباً إلى شأوي ولا أمديفقال: لمن البيت؟ فقال: لعبدك أبي اسحق الصابىء محبوساً ببغداد، فأمر بالإفراج عنه والخلعة عليه، فكان ذلك سبب خلاصه وتقدمه.كلام نثر صار شعراً من غير قصد:كتب عقال بن شهبة:للأمير المسيب بن زهير ... من عقال ابن شبة بن عقالفاتفق منه شعر. وحضر الصاحب الحسن بن سعد فرأى على عنوان كتاب: أبو الحسين أحمد ابن سعد: فقال: هذا شعر ثم قال، قل:إلى الهمام الأريحي الفرد ... أبي الحسين أحمد بن سعدفقال أبو الحسين: علمت بعد ثمانين سنة أن كنيتي واسمي واسم أبي شعر، وعلى ذلك كتب عبد الله الخازن على عنوان كتابه:حضرة الصاحب الجليل أبي القا ... سم كافي الكفاة اسماعيلاوقال رجل لمناد: يا صاحب المسح تبيع المسحا. فقال صاحبه: تعال إن كنت تريد الربحا. فسمع أبو العتاهية ذلك فقال: قد قالا شعراً وهما لا يدريان.ما جاء من لفظ القرآن والخبر موزوناً:من ذلك قوله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب " . وجفان كالجوابي. وقدور راسيات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا النبي لا أكذب. أنا ابن عبد المطلب " . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على حفر الخندق ويقول: " والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا " . وكان أصحابه يجيبونه إنك لولا أنت ما اهتدينا. متناه في مدح أو هجو أول من ضده: مدح أعرابي نبطياً فقال:إن أبا الهيجاء أريحي ... للريح في أثوابه دويفقال النبطي: عني أني أقسو! فقال الأصمعي: انظروا كيف ضاع هذا البيت؟ وسمع بعضهم قول الحطيئة:يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلفقال: هذا بيت قواد! وأنشد قول الأخطل:وإني لقوّام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومهافقال جرير: صدق ما قمنا بين يدي قس لأخذ قربان ولا لإداء جزية بين يدي سلطان. شعر لا يدري أمدح هو أم هجاء: دفع أعرابي ثوباً إلى خياط فقال الخياط: لأخيطنه خياطة لا تدري أقباء هو أم دواج. فقال: لأقولن فيك شعراً لا تدري أمدح هو أم هجاء، وكان الخياط أعور، ثم أنشده:خاط لي زيد قبا ... ليت عينيه سوا!فلم يدر أدعاء له أم دعاء عليه. ولما أنشد النابغة النعمان قوله:تخف الأرض إما غبت عنها ... ويبقى ما بقيت به ثقيلاغضب وقال: لا أدري أمدحني أما هجاني؟ فأتى زهيراً فأخبره فقال: حق له أن يغضب، ولكن قل بعده هذا البيت:أظنك مستقر العز منها ... فتمنع جانبيها أن تزولافأتاه فأنشده ذلك فرضي وقال: أما الآن فنعم!من قصد مديحاً فاتفق منه هجو:جاء شعرور إلى زبيدة فمدحها فقال:أزبيدة بنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب!تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغابفوثب إليه الخدم ليضربوه فمنعتهم وقالت: إنه قصد مدحاً وأراد أن يقول الناس شمالك أجود من يمينه، فظن أنه إذا ذكر الرجل كان أبلغ، وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه. ومدح شاعراً أميراً فقال:أنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعهفقال: من أين عرفتها؟ قال: قد جربتها! فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك! شاعر مغلوب بشعر ركيك: أتى أبو الشمقمق بشاراً فقال: يا أبا معاذ، أعطنا شيئاً وصل إليك من السلطان، فقال: أتسألني وأنا شاعر؟ فقال: نعم إني مررت بالصبيان وهم يقولون:إنما بشار فينا ... مثل تيس في سفينهرفع مصلاه عن ثمانمائة درهم وأعطاها له وقال له: لا تكن راوية للصبيان بعد هذا! وقال دعبل: وردت قمّ وكان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يتأكدني ويؤذيني، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال:في أست دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابلليس يشفيه منه غير ... أير بغل بكابلفلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني، ففررت من قم استحياء وما عاودتها بعد! معرفة نقد الشعر: قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشد من نظمه، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله. وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقة. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه. وقال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدماً حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله. أبو أحمد بن المنجم:رب شعر نقدته مثل ما ينقد رأس الصيارف الديناراالأهوازي:ويزعم أنه نقاد شعر ... هو الحادي، وليس له بعير!آخر:قد عرفناك باختيارك إذا كا ... ن دليلاً على اللبيب اختياره عذر من يعرف الشعر ولا يصوغه: قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ فقال: أنا المسن أسن الحديد ولا أقطع! وقيل لأديب: أشاعر أنت؟ فقال: لا ولكني بهم خابر. وقال شاعر:وقد يقرض الشعر البكي لسانه ... وتعيي القوافي المرء، هو خطيبوقيل لأبي عبيدة: لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك وجودة فهمك؟ فقال: لأن الذي يجيبني لا أرتضيه وما أرتضيه لا يجيبني. ولبعضهم في المعنى:أبى الشعر إلا أن يفيء ردئيه ... علي ويأبى منه ما كان محكمافيا ليتني إذ لم أجدحوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما مذاهب الناس في نقده: مذاهب الناس في ذلك مختلفة، فمنهم من يميل إلى ما سهل فيقول: خير الشعر ما لا يحجبه شيء عن الفهم. وقال آخر: خير الشعر ما معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك. ومنهم من يقول: ما كان مطابقاً للصدق وموافقاً للوصف كما قيل:وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا!وسئل ذو الرمة عن أشعر الناس فقال: من خبث جيده وطاب رديئه. ومنهم من يميل إلى ما انغلق معناه وصعب استخراجه، كشعر ابن مقبل والفرزدق، وكثير من النحويين لا يميلون من الشعر إلى ما فيه إعراب مستغرب ومعنى مستصعب. وقال يزدان المتطبب: إن أبا العتاهية أشعر الناس لقوله:فتنفست ثم قلت نعم حباً ... جرى في العروق عرقاً فعرقافقال له بعض الأدباء: إنما صار أشعر الناس عندك من طريق المجسة والعروق! مراتب الشعراء والشعر: قال الجاحظ: يقال للمجيد فحل، ولمن دونه مفلق ثم شاعر ثم شويعر ثم شعرور. وقيل: أقسام الشعر أربعة: ضرب حسن لفظه ومعناه، وإذا نثر لم يفقد حسنه وذلك نحو:في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمميغضي حياء ويغضى من مهابته ... فم يكلم إلا حين يبتسموضرب حسن لفظه وحلا معناه نحو:ولما قضينا من منى من كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسحأخذنا بأطراف الحديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطحوضرب جاد معناه وقصر لفظه نحو:خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازعوضرب قصر معناه ولفظه نحو:إن محلا وإن مرتحلا ... وإن للسفر ما مضى مهلاوقيل: الأشياء كلها ثلاث طبقات، جيد ووسط ورديء، فالوسط من كل شيء أجود من الرديء عند الناس، إلا الشعر فإن رديئه خير من وسطه، ومتى قيل شعر وسط فهو عبارة عن الرديء. وقيل: الشعر ثلاثة أصناف: شعر يكتب ويروى، وشعر يسمع ويكتب، وشعر لا يكتب ولا يوعى. كثرة الشعر في الناس: قال إبراهيم الموصلي: لولا أني أعلم أن الشعر من شر الكلام لقلت الشعر أكثر من النثر. أبو تمام:ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهبولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائبوقيل: الشعر أكثر من الكلام البليغ، فقد تجد عشرة آلاف شاعر ولا تجد خطيباً المستحسن الإنشاد: دخل أبو تمام على إسحق المصعبي فقال له: رأيت المخزومي آنفاً وهو ينشد شعراً فقال: أيها الأمير، نشيد المخزومي يطرق بين يدي شعره، وشعري يطرق بين يدي نشيدي. ومدح رجل آخر بحسن الإنشاد فقال: هو صناجة الشعر، وقال الفرزدق لعباد العنبري: حسن إنشادك يزين الشعر في فهمي. وقيل: إذا أنشدت المديح ففخم، أو المرائي فحزن، أو من النسيب فأخضع، أو من الهجاء فسدد وبالغ. المستقبح الإنشاد: عبد الله بن معاوية:يزين الشعر أفواه إذا نطقت ... بالشعر يوماً، وقد يزرى بأفواهأبو خليفة:كأن الشعر من فيه إذا تمت قوافيه كنيف قد خري فيه! مما جاء في الكتاب والكتابة واضعوا اللغات والخط: قيل: اللغات توقيفية لقوله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " . وقيل: أول ذلك اصطلاح ثم يجوز أن يكون الباقي توقيفاً. وقال الكلبي: وضع الخط ثلاثة نفر: مرامر بن مرة بن ذروة، وأسلم بن شدرة، وعامر بن حدرة، فرامر وضع الصورة، وأسلم فصل ووصل، وعامر أعجم وأشكل. وقيل: وضعه قوم من طسم وهم: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت على أسمائهم، ثم وجدوا حروفاً أخر وسموها الروادف وهي ثخذ ضظع، ولها أربعة حروف لا يعونها في أبي جاد، وتلك حروف المد واللين ونون الغنة في نحو منذر وجندل. وأول من خاطب بأطال الله بقاءك عمر بن الخطاب؛ قاله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وأول من قال جعلني الله فداءك، عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وأول من قال جعلت فداءك، علي عليه السلام. وأول من كتب في صدر الكتاب، مراسلة أن يصلى على محمد، يحيى بن خالد البرمكي. اتفاق الحروف مع النجوم: عدد الحروف العربية عدد منازل القمر ثمانية وعشرون، وغاية مبلغ الكلمة مع الزيادة سبعة على عدد النجوم السبعة، وصورة الزوائد اثنا عشر على عدد البروج، وأربعة عشر تندرج مع لام التعريف مثل منازل القمر التي تستتر تحت الأرض، وأربعة عشر فوقها، وهذا اتفاق صحيح. أسامى المترجمين: نقل ديوان الفارسية إلى العربية صالح بن عبد الرحمن، فقال له رجل من الفرس: كيف تكتب دهيوده وبنجيوده؟ فقال: عشير ونصف عشير، فقال: وكيف تكتب أندى؟ قال: أيضاً، فقال: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية! وقال لقومه: اطلبوا مكسباً غيره. وممن نقل العلوم الكبار: ان بطريق وبان ناعمة وأبو فروة وابن المقفع وارسطو طاليس وأفلاطون، من متقدمي الحكماء ومستخرجي العلوم. أجناس الكتابة: قال الكلبي: كتابة الأمم نوعان: أحدهما يبتدىء باليمين وهي العربية والعبرانية، والثاني من اليسار وهو اليونانية والرومية، وكل كتابة من اليسار فهي مفصولة، وكتابة الصين نقوش تصور. وحكي أن ملك الروم قال: ما حسدت العرب على شيء كالحسد على أشكال خطوطهم. موافق الخط: قيل: الخط لسان اليد وهو الطلسم الأكبر. وقيل: الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية وقيل: العلم شجر والخط ثمر. وفضل بعضهم الخط على اللفظ فقال: الخط للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط. وفضل جالينوس اللفظ فقال: الخط كلام ميت واللفظ كلام حي. اختلاف الخطوط وتشابهها: قيل: من أعجوبة الخطوط كثرة اختلافها مع اتفاق أصولها، كاختلاف الأشخاص مع اتفاقها فيا لصنعة. وعجب بعض الكتاب من الحاق القافة بالولد بالشبه فقال له قائف: أعجب من هذا ما يبلغنا من تمييزكم الخطوط وإلحاق كل بصاحبه! وحكي أن رجلاً ادعى على آخر بخط، له معه، فجحد المدعى عليه خطه، فتحاكما إلى سليمان بن وهب، فأحضر الخط وأملى على الرجل كتاباً طويلاً ردد فيه الحروف، فتصنع الرجل في كتابته فأبت سجيته في أحرف إلا أن تأتي كما جرت به عادته، فتبين لسليمان كذبه، فاستقصى عليه حتى اعترف بخطه. مدج الكتابة: جعل الله تعالى كتبة الملائكة كراماً كاتبين حيث يقول: " كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون " . وقال تعالى: " بأيدي سفرة كرام بررة " . وقيل: بلغت الكتابة بقوم مبلغ الملوك، وأعطتهم أزمة الخلافة، ونال الخلافة اربعة من الكتّاب: عثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك. وسأل أعرابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له حتى انتهوا إلى ذكر معاوية، فقالوا كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: فلح ورب الكعبة، فإن الأمور بيد الكتّاب! قال الشاعر:ما الناس إلا الكتبه ... هم فضة في ذهبهقد أحرزوا دنياهمُ ... بشعبة من قصبهوقال ابن الحجاج:وشمول كأنما اعتصروهما ... من معاني شمائل الكتابوقيل: كل صناعة تحتاج إلى ذكاء إلى الكتابة فإنها تحتاج إلى ذكاءين: جمع المعاني بالقلب، والحروف بالقلم؛ ولذلك قيل بالفارسية ديبر أي له ذكآن. وقال الجاحظ: لم أر مثل طريقة الكتاب، فإنهم اختاروا من الألفاظ ما لم يكن وحشياً ولا ساقطاً سوقياً. وقال: إنما عذب شعر النابغة لأنه كان كاتباً وكذلك ز