← Blog

الرسّام وديك الإمبراطور

الرسّام وديك الإمبراطور الحكايات عن الديك، في الصين، كثيرة. وكنت قد كتبت، ذات يوم، حكاية ديك فنّاص، أمّا اليوم فسأحكي عن لوحة بط...

الرسّام وديك الإمبراطور الحكايات عن الديك، في الصين، كثيرة. وكنت قد كتبت، ذات يوم، حكاية ديك فنّاص، أمّا اليوم فسأحكي عن لوحة بطلها ديك امبراطوريّ، ورسّام وإمبراطور. تقول الحكاية إنّ أحد أباطرة الصين القدامى كان من هواة " مصارعة الديوك"، وكان يملك ديكاً مصارعاً لا مثيل له يعتبره أيقونة ممتلكاته، ولا يخرج هذا الديك من معركة من المعارك التي يخوضها إلاّ ظافراً رافعاً عرفه الأحمر البديع التكاوين ورأس الإمبراطور معاً. ولكنّ للديوك كما للناس أعماراً سرعان ما تتلاشى. لم يحتمل الإمبراطور فكرة غياب الديك عن عينيه، وفكّر بآخرة الديك الحزينة، فقرّر أن يحتفظ له بصورة تذكاراً يلذّ لعينيه، فاستدعى أمهر الرسامين لرسم الديك، وهذا أمر معروف في تراث الأمم. من لا يعشق الاحتفاظ بصور من يحبّ؟ من يستغني إذا ما توفّرت الأسباب عن ملامح من يحبّ، ومن يبحث في تراثنا العربيّ يخرج بقصائد مدهشة التصاوير اللغويّة عن الحيوانات مدحاً ووصفاً ورثاء، بل يقال في العربية إنّ الجَمال ( بفتح الجيم ) خرج من عالم الجِمال ( بكسر الجيم)، والأناقة مسحوبة من حركات الناقة. قد يجد البعض في الأمر غرابة، وليس له ليتأكّد من قولي إلاّ الرجوع إلى ( لسان العرب) أو غيره من أمّهات المعاجم ليرى بعينيه تلك العلاقة العضوية، ولسوف يكتشف أنّ كلمات كثيرة ذات مستوى دلاليّ سامٍ مستلّة من عالم الحيوان، أليس فعل "تسنّم" السلطة مأخوذاً من سنام البعير وابحث عن دلالة " مجد" في المعجم سوف تكتشف ان الفضل في ولادة معناها يعود، أيضاً، إلى البعير. وقف الرسّام متأمّلاً الديك المطلوب رسمه لساعات وساعات وبعد أن انهى تأملاته وتشبّع من تفاصيله وتكاوينه، قال للامبراطور: الرسم سيكون جاهزاً بعد ستّة أشهر. راحت الأيام تمرّ ثقالاً على الإمبراطور، كان كلّه شغفاً ولهفة في رؤية صورة ديكه الحبيب، وما ان اكتملت الاشهر الستة حتى ارسل احد وزرائه لإحضار الصورة، ولكنّ الوزير عاد إلى الامبراطور لا يحمل الصورة، وانما الخيبة، اذ قال الرسّام للوزير: الصورة لم تكتمل بعد، عليك العودة بعد ثمانية أشهر، ليس سهلاً أن تلعب بأوقات إمبراطور أو أعصابه. ولكنّ الصينيين، لحسن حظّ الرسام، يمتازون ببرودة أعصاب مدهشة ونفس طويل. رضخ الامبراطور لنزوات الرسام فهو يعرف أنّ هذا الرسام هو أمهر من تناول فرشاة رسم في المملكة. مضت الأشهر الثمانية وعاود الإمبراطور إرسال وفد لإحضار الصورة، ولكنّ الرسّام قال للوفد: اللوحة ليست جاهزة ، تحتاج إلى عشرة أشهر إضافيّة، عاد الوفد متأبّطاً إحباطاً لا يعرف كيف يوصله للامبراطور، كظم الإمبراطور غيظه حين علم بالخبر، ولاذ بانتظار حارق، ومرّت الشهور العشرة، ولكنّه قال: ان لم يتمّ هذا الرسّام الأرعن لوحته في المهلة التي حدّدها فإني سأقطع رأسه هذه المرّة حتّى ولو حرمت رؤية الديك على قماشة حرير. مرّت الأشهر العشرة. وهنا قال الإمبراطور: سأذهب هذه المرّة بنفسي لاستلام الصورة. فذهب على رأس وفد مهيب. ولكن الامبراطور كان قد قرّر تنفيذ وعده في حال لم يلتزم الرسّام وعده فاصطحب معه سيّافاً لتلبية رغبته في الانتقام من هذا الرسذام المراوغ. وما إن وصل الإمبراطور إلى بيت الرسام حتّى طالبه فوراً بتسليمه اللوحة، وإلاّ فإنّ رأسه سوف يطير عن كتفيه بسرعة البرق. لم يفقد الرسام أعصابه، ولم يرتبك، وإنما قام بكلّ ما يليق من احترام لجلالة الإمبراطور المعظّم، وقام من فوره إلى قماشة بيضاء واحضر فراشيه وعلب ألوانه وراح أمام ذهول الإمبراطور يرسم الديك. وما هي إلاّ دقائق معدودات حتى خرجت صورة الديك من بين يدي الرسّام. ديك يكاد الصياح أن يخرج من منقاره المرسوم بدقّة مذهلة، ديك لا ينقصه شيء ليخرج من ألوانه وقماشته الحريرية. جنّ جنون الامبراطور بقدر ما سرّ بما رأى ونزلت من عينية بضع دمعات من الفرح باللوحة. وانفجر الإمبراطور غاضباً في وجه الرسّام، لماذا أجبرتني على هذا الانتظار أيّها الأحمق اذا كان الرسم لا يأخذ منك الاّ هذه الدقائق؟ لماذا لعبت بوقتي وأعصابي. إنّ رسمك رائع ومذهل، ولكن لا بدّ من أن أقطع رأسك لأنّك جعلتني انتظر عامين للحصول على ما يمكن انجازه في دقائق معدودة. مهلاً، يا جلالة الإمبراطور، اسمح لي قبل تنفيذ رغبتك الجليلة أن أعرض عليك بعض الأشياء، وقام الرسّام إلى الخزانة وأخرج من جوفها مئات اللوحات المرسومة، وكلّها رسومات ديكية، ديك في كلّ حالاته، ولا تشبه رسمة رسمة أخرى، رسومات بكلّ الألوان والأشكال والأحجام، ثمّة رسومات تظنّ أنّ أجنحتها أجنحة من عالم الريش لا من عالم الألوان، وبعد أن انتهى من عرض الرسومات أمام دهشة عيني الامبراطور والوفد المرافق له، اتجه نحو باب حديقته وحين فتح الباب ظهر قنّ مليئ بكلّ أنواع الديكة، وبجوار القنّ ما يشبه مقبرة جماعية أو مشرحة في مستشفى مليئة بعظام ديكة وريش وأجنحة. ما يفتنني بالحكايات الصينية انها لا تضع خاتمة للحكايات مغلقة. تترك للقارىء أن يرفرف على ذوقه في فضاء النهايات. ولا أحبّ أن أشوّه سمعة الحكايات الصينية عن طريق وضع نهاية افتراضية واحدة. فأنا من المؤمنين بأنّ كلّ نهاية تتشعّب إلى بدايات جديدة بصيغة الجمع. ولكن لا أعرف لماذا وأنا أقرأ هذه الحكاية خرج إليّ من بين دفتّي " كليلة ودمنة" ليس الديوك الموجودة في القصص وانّما ابن المقفّع نفسه من خلال امتلاكه لما بات يعرف بـ"السهل الممتنع"، وأذكر أنّي قرأت، ذات يوم، عبارة يابانيّة تقول:" ليس سهلاً أن تكون سهلاً"، وخزانة الرسّام وقنّ حديقتة مكمن هذه السهولة في التعامل مع الألوان والفرشاة والتصاوير! بلال عبد الهادي