← Blog

كتاب المقابسات لأبي حيان التوحيديّ

أبو حيان التوحيدي المقابسات المقابسة الأولى في تطهير النفس وتجريدها من الشوائب البدنية سمعت أبا سليمان المنطقي يقول: بالإعت...

أبو حيان التوحيدي المقابسات المقابسة الأولى في تطهير النفس وتجريدها من الشوائب البدنية سمعت أبا سليمان المنطقي يقول: بالإعتبار تظهر الأسرار، وبقديم الاختبار يصح الاختيار، ومن ساء نظره لنفسه قل نصحه لغيره؛ وكما تنظف الآنية من وسخ ما جاورها ولا بسها، ووضر ما خالطها ودنسها، لتشرب فيها، وتنظر إليها، وتستصحبها وتحفظها، ولتكون غنيا بها، ولا تريدها إلا طاهرة نقية مجلوة، ومتى لم تجدها كذلك عفتها وكرهتها ونفرت منها وطرحتها، لأن طبيعتك لا تساعدك عليها، ونفرتك لا تزول منها، وإباؤك لا يفارقك من أجلها، وقشعريرتك لا تذهب من شناعة منظرها؛ وكذلك فاعلم أنك لا تصل إلى سعادة نفسك وكمال حقيقتك، وتصفية ذاتك، إلا بتنقيتها من دون بدنك، وصفائها من كدر جملتك، وصرفها عن جملة هواك، وفطامها عن إرتضاع شهوتك، وحسمها عن الضراوة على سوء عادتك، وردها عن سلوك الطريق إلى هلكتك وتلفك وثبورك واضمحلالك. فاسعد أيها الإنسان بما تسمع وتحس وتعقل، فقد أردت لحال نفيسة، ودعيت إلى غاية شريفة، وهيئت لدرجة رفيعة، وحليت بحلية رائعة، وتوجت بكلمة جامعة، ونوديت من ناحية قريبة. المقابسة الثانية في علم النجوم وهل هو خال من الفائدة دون سائر العلوم؟ وكيفية ارتباط السلفيات بالعلويات هذه مقابسة دارت في مجلس أبي سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، وعنده أبو زكريا الصميري، والنوشجاني أبو الفتح، والعروضي أبو محمد المقدسي، والقومسي، وغلام زحل ، وكل واحد من هؤلاء إمام في شأنه، وفرد في صناعته؛ سوى طائفة دون هؤلاء في الرتبة، وهم أحياء بعد؛ فاستخلصتها جهدي، ورسمتها في هذا الموضع، وقد كادت تضيع في جملة تعليق كثير ضاع إستعضت منه الحسرة والأسى. ومن حق العلم، وحرمة الأدب، وذمام الحكمة، أن يتحمل كل مشق دونها، ويصبر على كل شديد في اقتنائها وتحصيلها. ولا أنسب فضلاً إلى واحد منهم بعينه، لأن شديد في اقتنائها وتحصيلها. ولا أنسب فضلاً إلى واحد منهم بعينه، لأن الكلام بينهم كان يلتف ويلتبس، وكانت المباهاة والمنافسة يدخلان فيه، ويظهران عليه؛ وينالان منه؛ وهذا من ذوي الطبائع المختلفة معروف، ومن أصحاب التنافس معتاد، ولو استتب القول بين سائل ومسؤل لحكيت الحال مقرباً ومبعداً ومصوباً ومصعداً؛ ولكن الأمر على ما عرفتك، فكن عاذري عند خلل يمر، إن أبيت أن تكون شاكري عند صواب تظهر عليه؟ إن شاء الله تعالى.قيل: لم خلا علم النجوم من الفائدة والثمرة؟ وليس علم من العلوم كذلك؟ فإن الطب ليس على هذا، بل الناظر فيه والشادي منه، والكامل من أهله، يقصد بالطب استدامة الصحة ما دامت الصحة موجودة، وصرف العلة إذا كانت العلة عارضة، وكذلك النحو الذي قصد به الماهر فتق المعاني، وصحة الألفاظ، وتوخي الإعراب، واعتياد الصواب، ومجانبة اللحن، على حدود ما في غرائز العرب وطبائعها وسلائقها.وكلك الفقه الذي قصد به صاحبه إصابة الحكم، واقتضاب الفتيا، وإيجاب الحق، ورفع الخلاف، وإقماع الخصم، وحسم مواد التنازع، ورد أهله إلى الرضى والتسليم.وكذلك الشعر الذي منتهاه قائم في نفس صاحبه، ثابت في قريحته، يجيش به صدره، ويجود به طبعه، ويصح عليه ذوقه؛ من مدح مأمول، وترقيق غزل، وهجو مسيء، واستنزال كريم، وتوشية لفظ، وتحلية وزن، وتقريب مراد، وإحضار خدعة، واستمالة غرير، وضرب مثل، واختراع معنى، وانتزاع تشبيه؛ مع تصرف في الأعاريض بين، وقيام بالقوافي ظاهر وكذلك الحساب الذي نفعه ظاهر، ومحصوله حاضر، وفائدته عامة. ونتيجته منجذبة، وثمرته دانية، وغبه محمود، وجدواه موجودة، به صحت المعاملة، وقامت الدولة، وحرس الملك، وجبي المال، وأمن الغبن، وقام الديوان، وقوى السلطان، وقرت الرعية، واستفاضت السيرة، واستمرت القضية؛ هذا إلى أسرار فيه عجيبة، وغوامض ترجع إليه شريفة، وخواص لا توجد لغيره غريبة. وكذلك البلاغة التي قد علم صاحبها وطالبها ما ينتهي إليه، ويقف عليه، من تنميق لفظ، وتزويق غرض، وتغطية مكشوف، وتعمية معروف، وإحضار بينة، وإظهار بصيرة، واختصار آت، وتقليق بات، وتأليف شارد، وتسكين مارد، وهداية متحير، وإرشاد متسكع، وإقامة حجة، وإرادة برهان، واستعادة مزيد، وتليطف قول في عتب، وتسهيل طريق في إعتاب، وتهنئة مسرور، وتسلية مخزون، وتلهية عاشق، وتزهيد راغب، ونضح عن عرض، وحسم مادة من طمع، وقلب حال عن حال حتى تضم بها أمور منتشرة، وتندمل بها صدور منفطرة، وتتسق بها أحوال متعاندة، وتستدرك بها حسرات فائته، وتخمد نيران ملتهبة.وكالصناعات كلها: كالهندسة في شرفها، والهيئة في علو رتبتها. وحدود هذه العلوم بعيدة، وفوائدها جمة. وليس هذا القدر آتياً على حقائقها، ولكنه مشير إلى موضع، المسألة والبحث عنها. فقد وضح لكل ذي حس مقيد، وعقل متأيد، ورأي صحيح، وذكاء صريح، أن هذه العلوم كثيرة المنافع، عامة المصالح، حاضرة المرافق. وأن الناس لو خلوا منها، وعروا عنها، لتبدد نظامهم، وانقطع قوامهم، وكانوا نهباً لكل يد، وحيارى طول الأبد.وليس علم النجوم كذلك! فإن صاحبه وإن استقصى، وبلغ الحد الأقصى، في معرفة الكواكب وتحصيل مسيرها، واقترانها ورجوعها، ومقابلتها وتربيعها، وتثليثها وتسديسها، وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها، ومقاطعها ومطالعها، ومشارقها ومغاربها، مذاهبها، حتى إذا حكم أصاب، وإذا أصاب حقق، وإذا حقق جزم، وإذا جزم حتم، فإنه لا يستطيع البتة قلب عين شيء، ولا صرف أمر إلى أمر، لا تنفير حال قد دنت، ولا نفي ملمة قد كتبت، ولا دفع سعادة قد أجمعت وأظلت. أعني أنه لا يقدر على أن يجعل الإقامة سفراً، ولا الهزيمة ظفراً، ولا العقد حلا، ولا الإبرام نقضاً، ولا الإياس رجاء، ولا الإخفاق دركاً، ولا العدو صديقاً، ولا الولي عدواً، ولا البعيد قريباً، ولا القريب بعيداً.وهذا باب طويل، والحديث فيه ذو شجون، وكأن العالم به، الحاذق فيه، المتناهي في حقائقه، بعد هذا التعب والنصب، وبعد هذا الكد والدأب، وبعد هذه الكلفة الشديدة، والمؤنة الغليظة، مستسلم للمقدار، ومستجد لما يأتي به الليل والنهار، وعادت حاله مع علمه الكبير، وبصيرته الناقدة، إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقياده كانقياده، واعتباره كاعتباره! ولعل توكل الجاهل به أحسن من توكل العالم، ورجاءه في الخير المتوقع، والشر المتوقى، أقوى وأرسخ من رجاء هذا المدل بزيجه وحسابه، وتقويمه واصطرلابه؟ قالوا: ولهذا روى الصالحون أن الثوري لقي ما شاء الله فقال له: أنت تخاف زحل وأنا أخاف رب زحل، وأنت ترجو المشتري وأنا أرجو رب المشتري، وأنت تغدو بالاستشارة وأنا أغدو بالاستخارة، فكم بيننا؟ فقال له ما شاء الله: كثير ما بيننا؟ حالك أرجى، وأمرك أنجح وأحجى .قال: وهذا أنو شروان، وكان من المغفلين الأفاضل، روى عنه أنه كان لا يريغ بالنجوم، فقيل له في ذلك فقال: صوابه شبيه بالحدس، وخطاؤه شديد على النفس.هكذا ترجم وهو كما ترى.قال: فمتى أفضى هذا الفاضل التحرير، والحاذق البصير، إلى هذا الحد والغاية، كان علمه عارياً من الثمرة، خالياً من الفائدة، حائلاً عن النتيجة، لا عائدة، ولا مرجوع؛ وأن أمراً أوله على ما قررنا، وآخره على ما ذكرنا، لحرى بأن لا يشغل الزمان به، ولا يوهب العمر له، ولا يعار الهم والكدر، ولا يعاد عليه بوجه ولا سبب. هذا إذا كانت الأحكام صحيحة ومدركة محققة، أو مصانة ملحقة، ومعروفة محضة، ولم يكن المذهب ما زعم. وأرباب الكلام والدين يأبون تأثير هذه الأجرام العالية، في هذه الأجسام السافلة، وينفون الوسائط والوصائل، ويدفعون الفواعل والقوابل. فحصلت حفظك الله المسألة بعد تشذب الكلام فيها، ووعيتها جهدي من أولها إلى آخرها، بطولها وعرضها، ودخلها ومغزاها. ولا أشك في أطراف زلت عني عند اختلاقها واقتباسها، وقد ثقفت الجواب عنها على أوجه أنا أجتهد في الأعراب عنها في هذا الموضع بمبلغ وسعى؛ فإني بين فائتة لا علم لي بها. وبين زيادة لا يطمئن متن الكلام إلا بها، وكلتاهما خطة صعبة لو لا كلف النفس بالعلم ومحبتها للفائدة، لكان الإضراب عنها أذب عن العرض، وأصون للقدر، وأبعد من استدعاء اللائمة ممن لعله لو أتى بهذا المقدار لكان عندي عظيم المنة، حقيقاً بالشكر والمحمدة.فأول ما قيل في ضد هذا الكلام: هذه العلوم والمعارف كلها من أثار هذه الأجرام العلوية، وسهام الخواطر السريعة والبطيئة والمتوسطة، على أشكال صحيحة دائبة، وأسباب على الطبيعة جارية.ثم رجع إلى الجواب، فقال قائل: عن هذه المسألة، لا على هذا التهويل، جوابان مختلفان، من وجهين مختلفين: أحدهما هو زجر عن النظر فيه لئلا يكون هذا الإنسان مع ضعيف مخيلته، واضطراب غريزته، وانفتات طينته، وانبتات مريرته، عن ربه بحاثاً، متكبراً على عباده، ظاناً بأنه مأتي في شأنه، قائم بجده وقدرته، وحوله وقوته وتشميره وتقليصه، وتهجيره وتعريسه، فإن هذا النمط يحجز الإنسان عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربه، ويبعده عن التسليم لمدبره، ويحول بينه وبين طرح الكل بين يدي من هو أملك له، وأولى به.وأما الجواب الآخر فهو بشرى عظيمة، على نعمة جسيمة، لمن حصل له هذا العلم، وذلك غيب لو اطلع عليه، وسر لو وصل إليه، لكان ما يجده الإنسان فيه من الروح والراحة، والخير في العاجلة والآجلة، يكفيه مؤونة هذا الخطب الفادح، وينهيه عن تجشم هذا الكد الكادح، فاجعل أيها المفكر لشرف هذا العلم بدل طلبك ما يخفي عنك خفيه ومكنونه، تذللاً لله تقدس اسمه، فيما استبان لك معلومه، وصح عندك مظنونه.ثم قال: اعلم أن العلم حق، ولكن الإصابة بعيدة، وما كل صواب معروفاً، ولا كل محال موصوفاً، وإنما كان العلم حقاً، والاجتهاد في طلبه مبلغاً، والقياس فيه صواباً، والسعي دونه محموداً، لامتثال هذا العالم السفلي، بذلك العالم العلوي، واتصال هذه الأجسام القابلة، بتلك الأجرام الفاعلة، واستحالة هذه الصور بحركات تلك المتحركات المتشاكلة بالوحدة. وإذا صح هذا الاتصال والتشابك، وهذه الحبائك والربط، صح التأثير من السفلى بالمواصلات الشعاعية، والمداءبات والأحوال الخفية والجلية. وإذا صح التأثير من المؤثر وقبوله من المقابل، صح الاعتبار، واتسق القياس، وصدق الرصد، وثبت الألف، واستحكمت العادة، وانكشفت الحدود، وانثالت العلل، وتعاضدت الشواهد، وصار الصواب غامراً، والخطأ مغموراً، والعلم جوهراً راسخاً، والظن عرضاً زائلاً.ثم تشقق الكلام في وجوه مختلفة، حتى كاد لا يحصل منه ما يكون تلو المسألة والجواب، ولم أزل أرقى وأنفث، وأغزل وأنكث، حتى نظمت هذا الذي يمر بك في هذا المكان، على تنافر كثير، وتعاند شديد، وبين أول وآخر، وصدر وعجز، وسلامة ودخل، واقباس اقتباس؛ فمن جملة ذلك وحومته أن قيل: هل تصح الأحكام أم لا تصح؟ فكان من محصول الجواب أن قال قائل: الأحكام لا تصح بأسرها، ولا تبطل من أصلها. وتلك ليست بالهوينا، إذا أنعم النظر، ونشط للإصغاء، وصمد نحو الفائدة، بغير متابعة الهوى، وإيثار التعصب، لأن الأمور الموجودة على ضربين: ضرب له الوجود الحق، فالأمور الموجودة بالحق قد أعطت البقية نسبة من جهة الوجود، وارتجعت منها حقيقة ذلك؛ فالحاكم بالاعتبار، الفاحص عن هذه الأسرار، إن أصاب فبنسبة الوجود الذي لهذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي، وإن أخطأ فيما فات هذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي. والإصابة في هذه الأمور السيالة المتبدلة عرض، والإصابة في أمور الفلك جوهر. وقد يكون هناك ما هو كالخطأ، ولكن بالعرض لا بالذات. فلهذا صح بعض الأحكام، وبطل بعض الأحكام. ومما يكون إباداً لهذا الفصل وشاهداً قوياً: أن هذا العالم السفلي مع تبدله في كل حال، واستحالته في كل طرف ولمح، متقبل لذلك العالم العلوي، شوقاً إلى كماله، وعشقاً لجماله، وطلباً للتشبه به، وتحقيقاً بك ما أمكن من شكله، فهو بحق التقبل يعطي هذا العالم السفلي ما يكون مشابهاً للعالم العلوي.ومن هذا الباب تقبل الإنسان الكامل من البشر، من الملك، وتقبل الملك من الباري، وكذلك تقبل الطبيعة للنفس، والنفس للعقل؛ والعقل للباري.قال آخر: وإنما وجب هذا التقبل والتشبه، لأن وجود هذا العالم وجود متهافت مستحيل، لا صورة له ثابتة، ولا شكل دائم، ولا هيئة معروفة. وكان من هذا الوجه فقيراً إلى ما يمده ويشده، وأما سنخه وسوسه فهو موجود ثابت، مقابل لذلك العالم الموجود الثابت. وإنما عرض ما عرض لأن أحدهما مؤثر، والآخر قابل، فبحق هذه المرتبة ما وجد التباين، وبحق تلك المرتبة ما وجد التواصل.وقال آخر: وقد يغفل، مع هذا كله، المنجم اعتبار حركات كثيرة من أجرام مختلفة؛ لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها، ومزجها وتسييرها، وتفسير أحوالها، وتحصيل خواصها، مع بعد حركة بعضها، وقرب حركة بعضها، وبطئها وسرعتها، والتفاف صورها، والتباس مقاطعها، وتداخل أشكالها، ومن الحكمة في هذا الإغفال أن الله تقدس إسمه، يتميز بذلك القدر المغفل، والقليل الذي لا يؤبه له، والكثير الذي لا يحاول البحث عنه، أمراً لم يكن في حساب الخلق، ولا فيما علموا فيه القياس واختلط بالتقدير والتوهم.قال: ولهذا يحكم هذا الحاذق في صناعته لهذا الملك، وهذا الماهر في علمه لهذا الملك، ثم يلتقيان فتكون الدائرة على أحدهما، مع شدة الدفاع، وصدق المصاع . هذا وقد حكم له بالغلب والظفر.قال في هذا الموضع النوشجاني: إنما يؤتى أحد الحاكمين لأحد الملكين، لا من جهة غلط في الحساب، ولا من قلة مهارة في العمل، ولكن يكون في طالعه أن يصيب في ذلك الحكم، ويكون في طالع ذلك الملك ألا يصيب منجمه في تلك الحرب؛ فمقتضى حاله وحال صاحبه يحول بينه وبين الصواب، ويكون الآخر مع صحة حسابه وحسن إدراكه، قد وجب في طالع نفسه وطالع صاحبه ضد ذلك، فيقع الأمر الواجب، ويبطل الآخر الذي ليس بواجب. وقد كان المنجمان من جهة العلم والحساب أعطيا الصناعة حقها، ووفيا ما عليهما فيها ووقفا موفقاً واحداً على غير مزية بينة؛ ولا علة قائمة قال أبو سليمان: ما أحسن هذا! وطالما يسكت عن هذه المسألة فانقضت عن جوابها؟ قالوا: ولولا هذه المشيئة المندفئة، والغاية المستترة، التي استأثر الله بها، لكان لا يعرض هذا الخطأ مع صحة الحساب ودقة النظر، وشدة الغوص وتوخي المطلوب، وتبع غلبة الهوى والميل إلى المحكوم له؛ وهذه البقية دائرة في أمور هذا الخلق، فاضلهم وناقصهم ومتوسطهم، وفي دقيقها وجليلها، وصعبها وذلولها؛ ومن كان له من نفسه باعث على التصفح والنظر والتخير والاعتبار، وقف على ما أومأت إليه عن كثب، وسلمه من غير منكر ولا صخب.ثم قيل: ولحكمة جليلة ضرب الله دون هذه العلل بالأسداد، وطوى حقائقه عن أكثر العباد، وذلك أن للعالم بما سيكون ويحدث ويستقبل، علم خلق للنفس، واقع عند العقل، فلا أحد إلا وهو يتمنى أن يعلم الغيب ويطلع عليه، ويدرك ما سوف يكون في غد، ويجد سبيلاً إليه، ولو دل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس يهرعون إليه، ولا يؤثرون سبيلاً آخر عليه، لحلاوة هذا العلم عند الروح، ولصوقه بالنفس، وغرام كل أحد به، وفتنة كل إنسان فيه؛ فبنعمة من الله لم يفتح هذا الباب، ولا انكشف من دونه الغطاء، حتى يرتعي كل أحد روضه، ويلزم حده، ويرغب فيما هو أجدى عليه وأنفع له، أما عاجلاً فقد علمت أن علم ما يكون أحب إلى جميع الناس من كل فقه وكلام وأدب وهندسة وشعر وحساب وطب، لأن هذه رتبة إلآهية، وهي الفاصلة الكبرى. فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب، ونشر لهم نبذاً منه، وشيئاً يسيراً يتعللون به، ليكون هذا العلم محروصاً عليه كسائر العلوم، ولا يكون مانعاً عن غيره.قال: ولولا هذه البقية التي فضحت الكاملين، وأعجزت القادرين، لكان تعجب الخلق من غرائب الأحاديث، وعجائب الضروب، وظرائف الأحوال، عبثاً وسفهاً، وتوكلهم على الله لهواً ولعباً. ثم قيل: وهذا يتضح بمثال، وليكن ذلك المثال ملكاً في زمانك وبلادك واسع الملك، عظيم الشأن، بعيد الصيت، شائع الذكر، معروفاً بالحكمة، مشهوراً بالحزامة، متصل اليقظة، قد صح عنه أنه يضع الخير في موضعه، ويوقع الشر في موقعه، عنده جزاء كل سيئة، وثواب كل حسنة، قد رتب لبريده، وأصلح الأولياء له، وكذلك نصب لجباية أمواله أقوم الناس بها، ويعاقب ويثيب، ويفقر ويغني، ويحسن ويسيء.ذلك لعمارة الأرض أنهض الناس بها، وأنصحهم فيها! وشرف آخر بكتابته لحضرته، وآخر بخلافته ووزارته، في حضره وسفره. إذا نظرت إلى ملكه وجدته موزوناً بسداد الرأي، ومحمود التدبير وأولياؤه حواليه، وحاشيته بين يديه، وكل يخف إلى ما هو منوط به، ويبذل وسعه دونه. والملك يأمر وينهي، ويصدر ويورد، ويحل ويعقد، وينظم ويبدد، ويعد ويوعد، ويبرق ويرعد، ويقدم ويؤخر، ويخلع ويهب، وقد علم صغير أوليائه وكبيرهم، ووضيع رعاياه وشريفهم، ونبيه الناس وخاملهم، أن الرأي الذي يطلق بأمره كذا وكذا صدر من الملك إلى كاتبه، لأنه من جنس المكاتبة وعلائقها، وما يدخل في شرائطها ووثائقها. والرأي الآخر صدر إلى صاحب بريده، لأنه من أحكام البريد وفنونه وما يجري في كليته، والأمر الآخر ألقى إلى صاحب المعونة، لأنه من جنس ما هو مرتب له ومنصوب من أجله؛ والحديث الا الآخر صدر إلى القاضي، لأنه من باب الدين والحكم والقضاء. في كل هذا مسلم إليه ومعصوم به، لا يفتات عليه في شيء، ولا يستبد بشيء دونه، فالأحوال على هذا كلها جارية على أذلالها وقواعدها في مجاريها، لا يزل منها شيء إلى غير شكله، ولا يرتقى إلى ما ليس من خليقته، وهكذا ما عدا جميع ما حددناه باسمه وحكيناه برسمه، فلو وقف رجل له من الحزم نصيب، ومن الفطنة قسط على هذا الملك العظيم، وعلى هذا الملك الجسيم، وسدد فكره، وحدد وهمه، وصرف ذهنه، وتصفح حالاً حالاً، وحسب شيئاً شيئاً، وقدر أمراً أمراً، وتأمل باباً باباً، وتخلل شيئاً شيئاً، ورفع سجفاً سجفاً، وتقفر وجهاً وجهاً، لأمكنه أن يعلم ما يتم له هذا النظر، ويسره هذا القياس، ويصدره هذا الحدس، ويقع عليه هذا الإمكان، لما سيعمله هذا الملك غداً، أو يسديه بعد غد، وما يتقدم به إلى شهر، وما يكاد يكون منه إلى سنة وسنين، لأنه على الأحوال ملياً؟ ويجلوها جلواً، ويقايس بينها قياساً، ويلتقط من الناس لفظاً لفظاً، ولحظاً لحظاً، ويقول في بعضها: يترك كذا وكذا، ويفعل كذا وكذا وهذا يدل على كذا وكذا، وإنما جرؤ هذه الجرأة على هذا الحكم والبت، لأنه قد ملك لحظ الملك ولفظه، وحركته وسكونه، وتعريضه وتصريحه، وجده وهزله وسجيته وتجعده، واسترساله، ووجومه ونشاطه، وانقباضه وانبساطه، وغضبه ومرضاته، ونادره ومعتاده، وسفره وحضره، وبشره وقطوبه، ثم يهجس في نفس هذا الملك يوماً هاجس، ويخطر بباله خاطر، فيقول: أريد أن أعمل عملاً، وأوثر أثراً، وأحدث حالاً لا يقف عليها أوليائي، ولا المطيفون بي، ولا المختصون بقربي. ولا المتعلقون بحبالي، ولا أحد من أعدائي والمتتبعين لأمري، والمحصين لأنفاسي، والمترقبين لعطاسي ونعاسي؛ ولا أدري كيف أقترحه، لأني متى تقدمت في ذلك بشيء إلى كل من يلوذ بي ويطيف بناحيتي، كان الأمر في ذلك نظير جميع أموري؛ وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه، ويجب على التيقظ فيه. فيقدح له الفكر الثاقب، والذكاء اللاهب، أنه ينبغي أن يتأهب للصيد ذات يوم فيتقدم بذلك ويذيعه ويطالب به، فيأخذ أصحابه وخاصته في أهبة ذلك وإعداد الآلة، فإذا تكامل ذلك له أصحر للصيد وتشوف له، وتطلبه في البيداء، وصمم على بعض ما يلوح له، وأمعن قبله، وركض خلفه جواده، وشدد في طلبه بداده، ونهى من معه أن يتبعه حتى إذا وغل في تلك الفجاج الخاوية، والمدارج المتنائية، وتباعد من متن الجادة، وواضح المحجة، صادف إنساناً فوقف عليه وحاوره وفاوضه، فوجده حصيفاً محصلاً، يتقد فهما، وينتقد إفهاماً، وقال له: أفيك خير؟ فقال: نعم، وهل الخير إلا في وعندي؟ وإلا معي؟ ألق إلى ما بدا لك وخلني وذلك؟ فقال له: إن الواقف عليك والمكلم لك، ملك هذا الإقليم، فلا ترع واهدأ ولا تقلق؟ فيكفر له عند سماع هذا ويقول: السعادة قيضتني لك ، والجد أطلعك علي، فيقول له الملك: إني أريد أن أصطفيك لأرب في نفسي، وأبلغ بك إن بلغت ذلك لي، وأريد منك أن تكون عيناً على نفسك زكية، وصاحباً لي نصوحاً، فقم لي بذلك بجهدك ووسعك، واطو سري عن مسانح فؤادك فضلاً عما خلا ذلك. فإذا بلغ منه غاية الوثيقة والتوكيد ألقى إليه عجرته وبجرته، ويعثه على السعي والنصح وتحري الرضى، ووصاه بما أحب وأحكمه وأزاح علته في جميع ما يتعلق المراد به، ولا يتم إلا بحضوره. ثم ثنى عنان دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحق بهم، وتعلل بقية النهار في قضاء وطره من صيده. ثم عاد إلى سريره في داره، ومقره في ملكه. وليس عند أحد من رهطه وبطانته وغاشيته وحاشيته وخاصته وعامته، علم بما قد أسره إلى ذلك الكهل الصحراوي وبما حادثه فيه. والناس على سكناتهم وغفلاتهم حتى أصبحوا ذات يوم عن حادث عظيم، وأمر جسيم، وشأن هائل، وعارض محير. وكل عند ذلك تهول: ما أعجب هذا؟ من فعل هذا؟ متى تهيأ هذا؟ من ارتصد لهذا؟ من انتصب لهذا؟ وكيف تم هذا؟ هذا صاحب البريد وليس عنده منه أثر! وهذا صاحب المعونة وهو عن الخبرة به بمعزل! وهذا الوزير الأكبر وهو متحير! وهذا القاضي وهو متفكر! وهذا حاجبه وهو ذاهل! وكلهم عن الأمر الذي دهم مشدوه، وهو منه متعجب!... وقد قضى الملك مأربته، وأدرك حاجته، وأصاب طلبته، وبلغ غايته، وأنفذ رأيه، ونال أربه، كذلك ينظر هذا المنجم إلى زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر، وإلى البروج وطبائعها، والرأس ولا ذنب وتقاطعهما، والهيلاج والكد خذاة، وإلى جميع ما دانى هذا وقاربه، وكان له فيه نتيجة وثمرة، فيحسب ويمزج، ويرسم ويقلب. عند أشياء كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطية، وآثار مطوية، فينبعث بما أغفله وأهمله وأضرب عنه ولم يتسع له، ما يملك عليه حسه وعقله وفكره ورويته، حتى لا يدري من حيث أتى، ولا من أين دهى، وكيف امتزج عليه الأمر، وانسد دونه الطلب، وفاته المطلوب، وعزب عنه الرأي؟! هذا ولا خطأ في الحساب، ولا تقصير في الحق، وهذا كي يلاذ بالله عز وحل في الأمور ويعلم أنه مالك الدهور، ومدبر الخلائق، وصاحب الدواعي والعوائق، والعالم على كل نفس، والخاطر عند كل نفسس؛ وأنه إذا شاء نفع، وإذا شاء ضر، وإذا شاء أسقم، وإذا شاء شفى وإذا شاء أغنى، وإذا شاء أفقر، وإذا شاء أحيا، وإذا شاء أمات؛ وأنه كاشف الكربة، والمؤنس في الغربة، وأنه المجلي الغمة، وصارف الأزمة، ليس فوق يده يد، وهو الأحد الصمد، على الأبد والسرمد. وكنت سمعت الحراني الصوفي يقول قديماً بمكة وكان شام شيئاً من الحكمة، وعرف ذرواً من حديث الأوائل فقال: هذه الأمور وإن كانت منوطة بهذه العلويات، مربوطة بالفلكيات، عنها تحدث، ومن جهتها تنبعث، فإن في عرضها ما لا يستحق أن ينسب إلى شيء منها إلا على وجه التقريب. قال: ومثال ذلك، ملك له سلطان واسع، ونعمة جمة، يفرد كل أحد بما هو لائق به، وبما هو ناهض فيه، فيولي مثلاً بيت المال خازناً مليئاً، كافياً شهماً، يفرق على يده، ويجمع على يده، ثم إن هذا الملك قد يضع في هذه الخزانة شيئاً لا علم للخازن به، وقد يخرج منها شيئاً لا يقف الخازن عليه، ويكون هذا منه دليلاً على ملكه واستبدادة، وعلى تصرفه وقدرته.إلى ها هنا كان كلام الحراني، ومثله هذا وإن كان نظيراً للمثل الأول فإنه شاهد له، وجار معه.وقيل أيضاً في عرض الكلام الذي كان بين أولئك المشايخ ما هو زجر عن تعاطي هذا العلم، ومانع عن التحقيق بباب الحكم: لما كان عالم النجوم، وصاحب الشغف بالأحكام، يريد أن يقف على أحداث الزمان في مستقبل الوقت، من خير وشر، وخصب وجدب، وسعادة نحس، وولاية وعزل، ومقام وسفر، وغم وفرح، وفقر ويسار، ومحبة وبغض، وجدة وعدم، وعافية وسقم، وألفة وشتات، وكساد ونفاق، وإصابة وإخفاق، وراحة ومشقة، وقسوة ورقة، وتيسير وتعسير، وتمام وانقطاع، والتئام وانصداع، وافتراق واجتماع، واتصال وإنبتات، وحياة وممات، وهو إنسان ناقص في الأصل، زائد في الفرع، وزيادته في الفرع لا ترفع نقصانه في الأصل، لأن نقصانه بالطبع، وكماله بالعرض، وهو بهذه الحال المحطوطة بالسنخ، المزوقة بالطين، قد بارى باريه، وجاري مجربه، ونازع ربه، وتتبع غيبه، وتوغل علمه، وتخلل حكمه، وعارض مالكه، حرمه الله فائدة هذا العلم، وقصر قوته عن الانتفاع به، والاستثمار من شجرته، وأضافه إلى من لا يحيط بشيء منه، ولا تجلى بشيء في باب القسر والقهر، وجعل غاية سعيه فيه الخيبة، ونهاية علمه منه الحيرة، وسلط عليه في صناعته الظن والحدس، والحيلة والزرق، والكذب والختل.ولو شئت لرويت من ذلك صدراً، وهو مبثوث في الكتب، ومنشور في المجالس، ومتداول بين الناس؛ بذلك وأشباهه حط رتبته، ورده على عقبيه، ليعلم أنه لا يعلم إلا ما علم، وأنه ليس له أن يتمطى بما علم على ما جهل، فإن الله لا شريك له في غيبه، ولا وزير له في ربوبيته، وأنه يؤنس بالعلم ليطاع ويعبد، ويوحش بالجهل ليفزع إليه ويقصدن عز رباً، وجل إلاهاً، وتقدس مشاراً إليه، وتعالى معتمداً عليه. وهذا كما ترى.قال العروضي: قد يقوى هذا العلم في بعض الدهر، حتى يشغف به ويدان بتعلمه، بقوة سماوية وشكل فلكي، فيكثر الاستنباط والبحث، وتستبد العناية والفكر، فتغلب الإصابة حتى يزول الخطأ؛ وقد يضعف هذا العلم في بعض الدهر، فيكثر الخطأ فيه لشكل آخر يقتضي ذلك، وحتى يسقط النظر فيه، ويحرم البحث عنه، ويكون الدين حاظراً لطلبه والحكم به؛ وقد يعتدل الأمر في دهر آخر، حتى يكون الخطأ في وزن الصواب، والصواب في قدر الخطأ، وتكون الدواعي والصوارف متكافئة، ويكون الدين لا يحث على طالبه كل الحظر.قال: وهذا إذا صح تعلق الأمر كله بما يتصل بهذا العلم السفلي من ذلك العالم العلوي، فإذاً الصواب والخطأ محمولان على القوى المنبثة، والأنوار الشائعة، والآثار الرائعة، والعلل الموجبة، والأسباب الموافقة.ورأيت أبا سليمان يرتضى بهذا القول، ويقوي هذا الرأي قال النوشجاني: إنما القوم اختصروا الكلام، وقربوا البغية، فإن الإطالة مصدة عن الفائدة، ومضلة الفطن والفهم.قيل هل تصح الأحكام؟ فقال غلام زحل: ليس عن جواب يتسبب على كل وجه؟ فقيل: ولم بين؟ قال: لأن صحتها وبطلانها متعلقان بآثار الفلك، وقد يقتضي شكل الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء وإن غيص على دقائقها، وبلغ إلى أعماقها؛ وقد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه، وإن قورب في الاستدلال؛ وقد يتحرك هذا الشكل في وقت آخر إلى أن يكثر الصواب فيهما ويتقاربان، ومتى وقف الأمر على هذا الحد لم يثبت على قول قضاء، ولا يوثق بجواب.فقال أبو سليمان: هذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الباب، وهو الذي من كلام الشيخ ألي محمد. قيل بعد هذا كله: فأما الجواب الذي هو كالبشرى بفائدة هذا العلم وثمرة هذه الحال، على ما تقدم من قول من قال من الجماعة، فهو ما أختم به هذا المقابسة إن شاء الله تعالى. وإنما أحيز في الرواية قليلاً لأن كلام القوم اختلط اختلاطاً منع من أداء ما جرى من ذلك على كنهه وخاصته، بعضه بالطول، وبعضه بالتحريف، وبعضه بالدقة والغموض، وبعضه بالكناية والتعريض؛ ولولا أني خلعت الحياء خلعاً، وتصديت للوم تصدياً، في تحرير هذا الكلام على ما به من اضطراب اللفظ، وانتثار المعنى، وزيغ التأليف، وترامي الحكاية، لكان ذلك كله منسياً في جملة ما نسي، ومغموراً في غمار ما جهل، وفائتاً في عرض ما فات، والعلم، حرسك الله، وحشي ، والحكمة نفور، والبيان حروف، والبلاغة ظنون، والجهل صاحب، والسفه طباع، والعي ألوف، والقلب شعاع. وعلى ذلك فقد نسقت في هذا الكتاب ما إن لم تكن فيه فائدة لغيري، لم يعد أن تكون تذكرة لنفسي وتبصرة لمن يعزو معزاي. إلى الله نشكو تسوالنا في إيثار الصدق، وتحقيق العقد، وتصفية الخلق، وما قد حل بنا، ونزل بساحتنا، من فقد الناصر، وإسلام المعين، فنحن كما قال القائل: افتضحنا فاصطلحنا. قال بعض الحاضرين: إن الله تعالى وتقدس، اخترع هذا العالم وزينه ورتبه، وحسنه ووشحه، ونظمه وهذبه، وقومه وأظهر عليه البهجة، وأبطن في أفنائه الحكمة، وحفه بكل ما اطبا العقول تصفحه ومعرفته، وحشاه بكل ما حث النفوس إلى تقليبه، والتعجب من أعاجيبه، وأمتع الأرواح بمحاسنه، وأودعه أموراً، واستجن به أسرار، ثم حرك أولئك عليها حتى استثارتها ولقطتها واجتلتها وعشقتها وولهت عليها، لأنها عرفت بها ربها وخالقها تبارك وتقدس مزج بعبض ما فيها ببعض، وركب بعضه على بعض، وأحال بعضه إلى بعض، بوسائط من أشخاص وأحساس وظبائع وأنفس وعلوم وعقول، وتصرف في ملكه بقدرته وحكمته، لا معيب الفضل، ولا مقلى الاختيار، ولا مردود الحكم، ولا مجحود الذات، ولا محدود الصفات؛ وهو سبحانه مع هذا كله لم يستفد شيئاً، ولم ينتفع بشيء؛ بل استفاد منه كل شيء؛ بحسب مادته المنقادة، وصورته المعتادة؛ ولم يثبت بشيء؛ وثبت به كل شيء؛ ولم يحظ بشيء، وحظى به كل شيء، فهو الفاعل القادر، والجواد الواهب، والمنيل المفضل، والأول السابق، والواحد المطلق. فلما كان الباحث عن العالم العلوي يتصفح سكانه، ويتعرف أماكنه وآثاره، ومواقعه وأسراره، متعرضاً لأن يكون مشابهاً لباريه، مناسباً لربه. بهذا الوجه المعروف، استحال أن يستفيد بعلمه، كما استحال وبطل أن يستفيد خالقه بعلمه. لأن نعته لصق به، وحكمه لزمه، وحليته بدت منه، وصفته عادت عليه، وهيئته تعلقته. هذه حال إذا فطن لها، وأشرف عليها، ببصيرة ثاقبة، وتحقق حقيقتها وتولى للخبرة بنسي ما فيها، علم اضطراراً عقلياً أنها أجل وأعلى، وأنفس وأسنى، وأرفع وأوفى، وأعظم وأزكى، وأدوم وأبقى، من جميع فوائد سائر العلوم التي حازها إليك العالمون. لأن أولئك أعملوا فوائد علومهم فيما حفظ عليهم حد الإنسان وخلقه، ومادته وشهوته، وأخذوا في اجتلاب نفع، ودفع ضر، ونقصت رتبتهم بمشاكهته ومناسبته، والتشبه بخاصيته، والتحلي بحليته. وكذلك خبر الله نقصهم في علمهم بفوائد نالوها، ومنافع حازوها، وأوطار قضوها بسببها، فأما من أراد معرفة هذه الخفايا والأسرار، في هذه الأجرام والأنوار، على ما هيئت له، وعبئت عليه، ونظمت به، ورتبت فيه، وزينت بمحاسنه، فهو حرى جدير أن يعرى من جميع ما وجده صاحب كل علم من المرافق والمنافع على ما اتسع القول به في فاتحة هذه المقابسة وينفرد بحكم من رتبها على ما هي عليه، غير مستفيد بذلك فائدة ولا جدوى. وهذه لطيفة متى وقف عليها حق الوقوف، وتقبلت حق التقبل، كان المدرك لها أجل من كل طلب وإن عز، لأنها بشرية صارت آلهية، وجسمية استحالت روحانية، وطينية إنقلبت نورية ومركب عاد بسيطاً، وجزء حال كلاً. وهذا فن قلما يهتدى إليه، ويتنبه عليه. ثم إني بعد هذا كله قلت لأبي سليمان في خلوة أيها الشيخ، تكررت في هذه المسألة كلمات جافية بشعة ماينة مكروهة، لا أراها تسلم أو تسلم؟ قال: ما هي؟ قلت: مثل قول القائل: مشاكها لربه، ومناسباً لباريه؛ ومثل قوله: نعته لصق به، وحكمه لزمه، وحيلته بدت منه، وصفته عادت عليه! فقال: لعمري إن تقديس الباري يمحق هذا كله ويذهب به، ويطرحه وينفيه، ولكن إذا عرفه وأشار إليه وكنى عن ربوبته، وأفصح عن آلهيته، لم يجد بداً من هذه الكلمات التي هي ألطف ما في ملكه، وأشرف ما في قوته والمراقى التي هي فوق المرام التي تتراسل بين الخلق في عباراتهم وإشاراتهم لكنها مستعارة في حمى التوحيد وحرم المعرفة، مرفوعة المقادير عما يدنسها ويذيلها، ويفسدها ويحيلها، على عادة أهل اللسان في الأسماء والصفات والحروف والأحداث، وإنما يوحى إلى هذه الغايات بهذه العبارات إيحاء، لأنها تفوت ذرع القول كما تفوت ذرع العقل، وتسبق ظن المقدر كما تسبق وهو المستشعر. وهذا اضطرار اشترك جميع أهل اللغات فيه عند إخبارهم عن آلهتهم، إلا من كانت معرفته من جنس معرفة العامة، واستبصاره من قبيل استبصارها، وعبارته في طريق عبارتها، والعامة لا توحيد لها، ولا حقيقة معها، ولا مبالاة بها. قلت لأبي سليمان في هذا الموضع: حصل لنا في هذه المسألة جوابان: أحدهما زجر عن النظر في هذا العلم، على ما طال الشرح فيه، والآخر على هذه الفائدة التي تكاد الروح تطير معها طرباً عليها، فهل يجوز أن نعتقد فساد أحد الجوابين؟ وهو ما نهى عن التبصر فيه والأخذ بالحظ الوافر منه ليكون الجواب الآخر جامعاً لوجوب الحق؟ فقال: الجوبان صحيحان، وذلك أن ها هنا أنفساً خبيثة، وعقولاً رديئة، ومعارف خسيسة، لا يجوز لأربابها أن ينشقوا ريح الحكمة، أو يتطاولوا إلى غرائب الفلسفة، فالنهي ورد من أجلهم، وهو حق والحال هذه الحال. فأما النفوس التي قوتها الحكمة، وبلغتها العلم، وعدتها الفضائل، وعقدتها الحقائق، وذخرها الخيرات، وعمارتها المكارم، وهمتها المعالي، فإن النهي لم يتوجه إليها، والعيب لم يوقع عليها؛ كيف يكون ذلك وقد بان بما تكرر القول فيه، أن فائدة هذا العلم أجل فائدة، وثمرته أحلى ثمرة، ونتيجته أشرف نتيجة؟ فليكن هذا كله كافا عن سوء الظن، وكافياً لك عما وقع القول فيه وطال بين هؤلاء السادة الجحاجحة في الفهم والعلم والبيان والتصفح.هذا أبقاك الله آخر ما نقلت به من حكاية هذه المقابسة بين هذه الطائفة الفاضلة، وقد اعتذرت إليك في خلالها مراراً من قصور لا حيلة لي فيه، ومن تقصير لم أقصد اختياري إليه، وظني بايثارك لستر القبيح على إخوانك، ونشر الجميل عن أصدقائك جميل، والله كافي وكافيك، ونعم الوكيل. المقابسة الثالثة في أن الإنسان قد يجمع أخلاقاً متباينة جرى عند ابن سعدان يوماً كلام في الأخلاق، وحضره جماعة منهم عيسى بن ثقيف الرومي أبو السمح، وغير هؤلاء من مشايخ النصارى، وكانوا متحرمين بالفلسفة ومحبين لأهلها، وكان محصول ذلك: من أراد أن يكسب نفسه هيئة جميلة، وسجية محودة، بتهذيب الأخلاق وتقويمها وتطهير من الأدناس التي نعتريها، تقسمه أمران متباينان: أحدهما عسر ذلك وإباؤه، وتعذره والتواؤه، فيظن لذلك أن الأمر الذي يحاوله معجوز عنه، وأنه غير مقدور عليه، وأن الوصول إليه محال. والآخر استجابة ذلك وانقياده، ومطاوعته وإمكانه، فيظن ذلك أن الغاية التي يؤمها باجتهاده وقصده نظافة بدنه، وتدليك أعضائه، وتقليم أظافره، ونفي القذى عن عينيه، وتسريح شعره، وترجيل جمته، وتنقية أرفاغه وإزالة الدرن عن مغابنه بيده ويد غيره، والقيم في الحمام وغيره، وقدر على ذلك ووجد السبيل إليه سهلاً حتى يخرج من الحمام ناضر البدن نقي الأطراف قد اكتسب صاحبه صباحة ونظافة وضياء وخفة ظاهرة من ثقل ما كان راكبه وملازمه من الوسخ والدرن، فإن أراد بعد ذلك أن يحول فطس أنفه قفاً، وزرقة عينه حوراً، ولفف لسانه استمراراً، أراد المحال، وحاول المعجوز عنه، وقرف بسوء الاختيار، وحكم عليه ببوار السعي وبطلان الاجتهاد. ومع هذا فليس له أن ييأس من إصلاح ما هو مستطاع، ليأسه من إصلاح ما هو غير مستطاع. وليس له أيضاً أن يرجو إصلاح ما ليس بمستطاع، لاقتداره على إصلاح ما هو مستطاع.قطب هذه المذاكرة في الأخلاق، على أن تهذيبها وتطهيرها وردها إلى مقارها، وتسويتها وتعديلها من الصعب المتعسر، والممتنع المتعذر، لكنها مع هذا كله ممكنة من نفسها في أشياء خاصة، وفي مواضع معلومة، بعض الإمكان، وضامنة الاستحالة فيها بعض الضمان، فعلى هذا لا ينبغي أن يطمع في إصلاحها كل الطمع، ولا يقطع الرجاء عن إصلاح الممكن منها كل القطع.وكان في كلامهم حشو كثير حصلت خالصة زبدته ما أعدت ههنا، وذكرته في جملة الكلام والناس من أول الدهر إنما يتكلمون في الأخلاق، على هذا تدل الكتب السالفة، والأشعار المتقدمة، والمواعظ القائمة، والمزاجر المترددة، ومع ذلك كله من طبع على الجبن ليس يجيء منه شجاع، ومن طبع على الغيرة لم يمكنه أن يغفل، ومن وجد في سوسه شيئاً أبداه، ومن كان في قوته شيء أظهره، ومن استكن في مزاجه شيء أبانه والأصل طالع على رابية الأيام، والاختيار في الأشياء قوة ضعيفة جداً لا ثبات لها مع الضرورة التي ترد قاهرة، وتوافي مجبرة، فإن الاختيار أيضاً في الأول من جملة تلك الضرورة في عرض القسمة السماوية، إن أذن له بدا وظهر، وسعى وسفر؛ وإن تكن الآخر بطل حكمه ورسمه، وارتفع عيبه وفعله. وقد شاهدنا من يمدح الجود ويحث عليه، ويحسنه ويدعو إليه، وهو أبعد الناس من العمل به، والقيام بحكمه. وقد وجدنا من يلوم التغافل في الحرمة وما يجري معها، ويبعث على الغيرة والصرامة فيها، وخوض الدم من أجل عارض في بابها، وهو أشد الناس انحلالاً فيها، وأظهرهم اختلالاً عليها. فكأن ما يقوله أحدهم ذاماً ومادحاً، هو غير ما ينبغي أن يأتيه أو يتركه مجتنباً.وكان أبو سليمان يقول: كثير من أخلاق الإنسان تخفى عليه، وتطوى عنه؛ وذلك جلي لصاحبه وجاره وعشيره. وهو يدرك أخفا من ذلك على صاحبه وجليسه ومعامله وقريبه وبعيده، وكأنه في عرض هذه الأحوال عالم جاهل، ومتيقظ غافل، وجبان شجاع، وحليم طائش. يرضى عن نفسه في شيء هو المغتاظ على غيره من أجله. قال: وهذا كله دليل على أن الخلق في وزن الخلق وعلى نساجه، يعسر منه ما يعسر من هذا، ويسهل من هذا ما يسهل من ذاك.قلت له عند التفاف الكلام في هذا الحد: ما الخلق؟ قال: شعار.قلت: فما المحمود منه؟ قال: ما أنشأته النفس الفاضلة في ذي المزاج المعتدل.قلت: فما المذموم منه؟ قال: ما توريه الطبيعة في ذي المزاج المتفاوت.والكلام في الأخلاق مطرب، وكل هذا الكتاب فيها، ولهذا ما يجب أن يخطى، وإن أمكن عدت إليها في أثناء غيرها. فالغرض كله تقديرها بالقسطاس، وتطهيرها من الأدناس، التي عليها جمهور هذا الخلق. المقابسة الرابعة في الناموس الآلهي ووضعه بين الخلق سمعت ابن مقداد يقول: لا بد في وضع الناموس الآلهي الذي يتوجه به إفاضة الخير، وترتيب السياسة، وما يورث سكون البال، ويحسم مواد الشر، ويوطد دعائم السنن، ويبعث على تشريف النفوس وتزيين الأخلاق، ويقرب الطريق إلى السعادة المطلوبة، ويواصل أسباب الحكمة، ويشوق الأرواح إلى طلب الحق وإيثار العقد، ويقدم دواعي العدل والنصفة والرحمة والمكرمة من الأخبار التي تنقسم بين ما هو صدق محض، وبين ما هو صدق ممزوج، وتكون الألفاظ التي تدور بها، واللغات التي ترجع إليها، كثيرة الوجود، سمحة عند التأويل، وإنما وجب ذلك لأن الناس في أصل جبلتهم وبدء خلقهم وأول سنخهم، قد افترقوا مجتمعين، واجتمعوا مفترقين، واختلفوا مؤتلفين، وائتلفوا مختلفين، وإحساسهم متوقدة، وظنونهم جوالة، وعقولهم متفاوتة، وأذهانهم عاملة، وآراؤهم سائحة، وكل منهم منفرد بمزاج وشكل وطباع وخلق ونظر وفكر، وأصل وفرع واختيار وإلف وعادة، وضراوة ونفرة، واستحسان واستقباح، وتوق ووقفة وإقدام وجسارة، واعتراف وشهادة، وبهت ومكابرة. هذا سوى أعراض كثيرة مختلفة لا أسماء لها عندنا خالصة، ولا صفات متميزة.قال: ومصل هذا كمثل رجل أصلح طعاماً كثيراً واسعاً مختلفاً من كل لون وجنس ومذاق ورائحة ووضع وقصد وحرارة وبرودة، وحلاوة وحموضة، ونصبه على مائدة واسعة عظيمة، فجمع ذوي عدد جم، فمتى لم تكن المائدة ذات ألوان مختلفة، وأطعمة مركبة، متباينة في القلة والكثرة والملوحة والحرافة، ومرقة المتقدمة، لم يقبل كل إنسان على ما يفيق به شهوته الخاصة لهن ولم تمتد يده إليه باللون الذي تدعو إليه العين، لأن للعين نوعاً من الطلب ليس للغم، وللنفس أيضاً مثل ذلك؛ أعني النفس المتغذية، فهذا غير ما هو مطلوب للنفس الناطقة من الترتيب والتكرمة والإيناس والمحادثة . قال: فلما كان الناموس الآلهي نصحية عامة لدكانة، وجب أن يستعان عليها بكل ما يكون ردأً لها ورفداً معها، وفارشاً لما انطوى فيها، وموضحاً لما خفى عنها، وداعياً باللطف إليها، وضامناً لحسن الجزاء عليها.وهذا قدر كالخالصة مما وقع التفاوض به، سقته على ما أمكن والحمد لله وحده. المقابسة الخامسة في شرف الزمان والمكان وتفاوت الناس في الفضيلة قلت لأبي بكر القومسي وكان كبيراً في الأوائل: بأي معنى يكون هذا الزمان أشرف من هذا الزمان، وهذا المكان أفضل من هذا المكان، وهذا الإنسان أشرف من هذا الإنسان؟ فقال: هذا يشعر بإفاضة الزمان إلى سعادة شائعة، وعز غامر، وبركة فائضة، وخصب عام وشريعة مقبولة، وخيرات مفعولة، ومكارم مأثورة من جهة شكل الفلك بما تقتضيه بعض أدواره؛ وكذلك المكان إذا قابله أثر من هذه الأجرام الشريفة، والأعمال المنيفة. وأما الزمان الذي هو رسم الفلك بحركته الخاصة فليس فيه جزء أشرف من جزء، وكذلك المكان لأنه رديف الزمان. ولا سبيل في مثل هذه المسائل إلى معرفة الحقائق إلا بالأمانة التي هي شاملة للعالم، غالبة عليه من محيطه إلى مركزه. وأما الإنسان فلا شرف له أيضاً على إنسان آخر، من جهة حده الذي هو الحياة والنطق والموت، لأن الحد في كل أحد واحد، فإذاً لا شرف من هذا الوجه، فإن اعتبر بعد هذا، فعل هذا وفعل ذاك، من جهة الاختيار والإيثار والاكتساب والإجتلاب، فذاك يقف على الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى، بحسب ما يوجد منظوماً في نفسه، نافعاً لغيره، واقعاً موقعه الأخص منه. المقابسة السادسة في علة تفاوت وقع الألفاظ في أتسمع، والمعاني في النفس قلت لأبي بكر القومسي وكان كبير الطبقة في الفلسفة، وقد لزم يحيى بن عدي زماناً، وكتب لنصر الدولة، وكان حلو الكتابة، مقبول الجملة: ما معنى قول بعض الحكماء: الألفاظ تقع في السمع، فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس، فكلما اتفقت كانت أحلى؟ فقال: هذا كلام مليح، وله قسط من الصواب والحق، إن الألفاظ يشملها السمع، والسمع حسن ومن شأن الحس التبدد في نفسه، والتبدد بنفسه. والمعاني تستفيدها النفس، ومن شأنها التوحد بها والتوحيد لها، ولهذا تبقى الصورة عند النفس قنية وملكة، وتبطل عن الحس بطولاً، وتمحى محواً، والحس تابع للطبيعة، والنفس متقبلة للعقل. وكانت الألفاظ على هذا التدريج والتنسيق من أمة الحس، والمعاني المقولة فيها من أمة العقل. فالاختلاف في الأول بالواجب، والاتفاق في الثاني بالواجب، وبالجملة الألفاظ وسائط بين الناطق والسامع، فكلما اختلفت مراتبها على عادة أهلها كان وشيها أروع وأجهر، والمعاني جواهر النفس. فكلما ائتلفت حقائقها على شهادة العقل كانت صورتها أنصع وأبهر، وإذا وفيت البحث حقه فإن اللفظ يجزل تارة ويتوسط تارة، بحسب الملابسة التي تحصل له من نور النفس وفيض العقل وشهادة الحق وبراعة النظم؛ وقد يتفق هذا لتعويل الإنسان بمزاجه الصحيح وطبيعته الجيدة واختياره المحمود، وقد يفوته هذا الوجه فيتلافاه بحسن الإقتداء بمن سبق بهذه المعاني إليه، فيكون إقتداؤه حافظاً عليه نسبة البيان على شكله المعجب، وصورته المعشوقة،؛ ومدار البيان على صحة التقسيم وتخير اللفظ وترتيب النظم وتقريب المراد، ومعرفة الوصل والفصل، وتوخي الزمان والمكان، ومجانبة العسف والاستكراه، وطلب العفو كيف كان. المقابسة السابعة في كتم السر وعلة ظهوره قلت لأبي سليمان وقد جرى كلام في السر وطيه والبوح به ما السبب في أن السر لا ينكتم البتة؟ فقال: لأن السر إسم لأمر موجود قد ضرب دونه حجاب، وأغلق عليه باب، فعليه من الكتمان والطي والخفاء والستر مسحة من القدم، وهو مع ذلك موجود العين، ثابت الذات، محصل الجوهر؛ فباتصال الزمان وامتداد حركة الفلك، يتوجه نحو غاية هي كماله، فلا بد له إذاً من النمو والظهور، لأن انتهاءه إليها، ووقوفه عليها؛ ولو بقي مكتوماً خافياً أبداً لكان والمعدوم سواء؛ وهذا غير سائغ. أعني أن يكون الموجود معدوماً! ولو قبل الوهم هذا لقبل أن يكون المعدوم موجوداً. وهذه مسألة في الهوامل، ولها جواب آخر في الشوامل، لكن هذا القدر يستفاد من الشيخ الفاضل، ومر أيضاً في كلامه أن الحجاب المضروب على هذا السر يرث ويخلق، لأنه لا يبقى على هيئته الأولى يوم يقع سراً ويحدث مكتوماً. ثم قال: كذلك الخواطر والسوانح على لطفها ودقتها، وشدة حقائقها، وعموم مشاربها، تبدو وتظهر، وتقوى وتكثر، حتى يعرف فيها الشيء بعد الشيء، باللحظة والسنحة والتلفت وضروب أشكال الوجه، فكف ما إبتذله اللسان ونسجته العبارة، وظعن من مكان إلى مكان؟! المقابسة الثامنة في أن الأسباب التي هي مادة الحياة فيوزن الأسباب التي هي علة الموت سمعت الإنطاكي أبا القاسم، وكان يعرف بالمجتبي يقول: الأسباب التي هي مادة الحياة، هي وزن الأسباب التي هي جالبة للموت قيل له: فلم كان الموت على هذا أولى بالإنسان من الحياة؟ فقال: لأن الموت طبيعي، وكل طبيعي لا محيص عنه. وإنما أطلقت الكلام الأول لأنك ترى من نجا من الموت بشيء، به يخلص غيره إلى الموت! فلو أستطيع حصر هذه الأبواب: ما به يموت من يموت في عدد ما به يحيى من يحيى! ثم قال: وها هنا موت طبيعي معرف به، وفي مقابلته حياة طبيعية؛ وهكذا أيضاً هاهنا موت عرضي، وفي مواجهته حياة عرضية. فالموت الطبيعي قد قامت منه الشهادة من الكافة. فأما الحياة الطبيعية فحياة العقل بالمعقول، والموت بالعرض ألجهل الشائع في الإنسان. وأما الحياة العرضية فحس الإنسان وحركته بسلامة بدنه، وسكون أخلاطه، وقوة طبيعته، وتصرف سائر ما هو مركب من جهته. ثم قال: ومن فتح الله بصيرة عقله ولحظ هذه الحقائق، ترقى في درجات المعارف، وسلاليم الفضائل، وانتهى إلى أفق الروح والراحة، ونجا من هذه المعادن التي هي معادن العطب والتلف، ومساكن الآفات والهلاك.وتفجر في هذا الفصل بكل كلام شريف، وكل موعظة حسنة، وكان من القادرين على أمثاله، وممن قد أيده الله بتوفيقه ومعونته. المقابسة التاسعة في ولوع كل ذي علم بعلمه ودعواه أن ليس في الدنيا أشرف من علمه سأل أبو محمد الأندلسي النحوي عيسى بن علي بن عيسى الوزير وأنا عنده فقال: لم قال صاحب كل علم: ليس في الدنيا أشرف من علمي الذي أنظر فيه؟ هكذا تجد الطبيب، والمنجم، والنحوي، والفقيه، والمتكلم، والمهندس، والكاتب، والشاعر، قال: وأنا لمكاني من النحو أقول هذا، وهكذا أجد جميع من سميت؟ قال الشيخ عيسى بن علي: هذا لأن صورة العلم في كل نفس واحدة، وكل أحد يجد تلك الصور بعينها، فيمدح العلم بها، ويظن أن تلك الصورة إنما هي لعلمه وحده، وكذلك صاحبه. وتلك أطال الله بقاك صورة العلم الأول، فأما إذا قسمت العلم كما قسمه أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الفيلسوف في كتابه أقسام العلوم وتتبعت مراتبه فإنك حينئذ تجد علما فوق علم، بالموضوع أو بالصورة، وعلماً دون علم، بالفائدة والثمرة. وهذا المعنى الذي أشير إليه يصح لك، ولو فرضت نفسك عالمة كل شيء لكنت حينئذ لا يحضرك علم دون علم، بل كنت تطلع على جميعه بنوع الوحدة، مع اختلاف مراتبه من نواحي مواده وصوره، وفوائده وثمره، وكنت تجدها كلها واحدة، لأن حد العلم كان يسبق من كل فن منها على ما هو به من غير خلل عارض، ولا فساد واقع.قال الأندلسي: قد كنا أيها السيد نترامى هذه المسألة تحقيراً لها وامتهاناً لقدرها، وفيها هذا الجواب الذي لو رحل إليه من قطر شامع، وغرم عليه مال كثير، لكان ذلك دون حقه؟ وما أكثر ما يحقر الشيء فيصير صلة لشيء لا يحقر! لولا أن عمري يستهلكه النحو لكنت ألبس لهذا العلم صدار المنكمش، وأصبغ نفسي صبغة المتحققين! المقابسة العاشرة في فعل الباري تعالى هل هو ضرورة أو اختيار أو ماذا؟ قال أبو زكريا الصميري لأبي سليمان: إذا كان الباري لا يفعل ما يفتعل ضرورة ولا اختياراً، فعلى أي نحو يكون فعله؟ فإنه إن كان كاستنارة الهواء عن الشمس فهو ضروري، وإن كان كفعل أحدنا فهو اختياري، وما خلا هذين فغير معقول، وما لا يعقل فغير مقبول؟ قال أبو سليمان: قد قال كبار الأوائل: إنه يفعل بنوع أشرف من الاختيار، وذلك النوع لا اسم له عندنا، لأنا إنما نعرف الأسماء التي قد عهدنا أعيانها أوشبها لها ، والناس إذا عدموا شيئاً عدموا إسمه، لأن إسمه فرع عليه وعينه أصل له، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع. هذا ما لا دفاع له ولا امتناع منه. وخواص الخواص معدومة الأسماء، ونحن نحس بمعاني جمة وفوائد كثيرة، لا نستطيع صرفها عن أنفسنا، وقد التبست بها، وقرت في أفنائها، ومع ذلك إذا حاولنا أسماءها عجزنا، بل قد نعتاض من الأسماء الفائتة إشارات بصفات وتشبيهات تقوم لنا من بعد مقام الأسماء الفائتة، ولكن له أحياناً أعمال رديئة، وإبهامات عندنا فاسدة. ولكن ليس لنا في هذا توجه من الوجود جملة، فمن جملة ذلك هذا الذي نحن فيه؟ إنه قد صح البرهان أن فعل الله تقدس وعلا ليس باضطرار، لأن هذا نعت عاجز، ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضاً، لأن هذا نعت عاجز، ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضاً، لأن في الاختيار معنى قوياً من الانفعال، وهذا مسلم عند من ألف شيئاً من الفلسفة وشدا بعض علوم الأوائل. فلم يبق بعد هذا إلا إنه بنحو عال شريف يضيق عنه الاسم مشاراً إليه، والرسم مدلولاً به عليه. ولو قال لك رجل: لم خبرت عن الله بالتذكير دون التأنيث؟ لما كان عندك إلا أن تقول: هذا ما أقدر عليه، وليس عندي لما هو حقه في الخبر عنه إسم يحضر، وأكثر ما أمكنني أنني لم أنعت به الأنثى، وهذا لأن التذكير والتأنيث معنيان يوجدان فينا، وبهما أشبهنا سائر الحيوان، وهما منفيان عن الله تعالى من كل وجه وكل وهم. ثم قال بعد هذا الذي قدم من القول: والذي اختاره في هذا الجواب مع هذا التضييق الواقع قولنا: يفعل. لا يصح معناه في الباري تعالى البتة، بل قولنا: يفعل. عبارة عن انفعال الأشياء له، لأن الأشياء له، وأن الأشياء كلها مشتاقة إليه، متوجهة نحوه، مستأنسة به مقتسبة منه، وذلك اتصالات وجوده، فدخول الأشياء إلى ذاته، وشوقها إلى قربه، وبث الوسائط بينها وبينه ثم ضرب مثلاً فقال: ألا ترى أن الطبل يضرب عند الرحيل من قبل الملك فترى كل أحد قد تحرك حركة لائقة به، موقوفة عليه، نحو الملك من غير أن يكون قد تقدم إلى واحد منهم بما هو إليه، بل هو على سكوته وحاله السابقة، فإنما لاح لهم منه لائح فتحركوا مشتاقين متشبهين؟ ثم قال: وينبغي أن تعلم أنه لا فاعل إلا ويعتريه نوع من أنواع الانفعال في فعله، كما أنه لا منفعل إلا وهو يعتريه نوع من أنواع الفعل في انفعاله؟ إلا أن الفعل في الانفعال خفي جداً، والفعل في المنفعل خفي جداً. فلهذا لا يطلق على الفاعل إلا الاسم الأشمل له الأدل عليه وكذلك لا يطلق على المنفعل إلا الاسم الأخص له والأعم لجملته. وهذا وإن كان الإطلاق والاستعمال على حد ما حقق القول، فإن المفعول لا سبيل إلى إنكاره، ومن عرف الحقيقة لا طريق إلى جحوده. فقد بان أن قولنا: يفعل ولا يفعل، وفاعل وغير فاعل، كلمات مطلقة على حد المجاز والعادة. المقابسة الحادية عشرة في أن الطبيعة تعمل في تخالف الناس على المذاهب والمقالات والآراء والنحل سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول لأبي الخطاب الصابي: إعلم أن المذاهب والمقالات والنحل والآراء وجميع ما اختلف فيه الناس وعليه، كدائرة في العقل، فمتى فرض فيها قول وجعل مبدأ لأقوال انتهى منه إلى آخر ما يمكن أن يقال، فليس من قول إلا وقد قيل أو يقال، وليس من فعل إلا وقد فعل أو سيفعل، وليس من شيء إلا وقد علم أو سيعلم، وهكذا في الظن والرأي وغير ذلك، وأمثال هذا بين في كل ما أردته، وذلك أنك لا تشير إلى رأي أو نحلة إلا أمكنك أن تظن به كل ما ظن ويظن، وتقول كما قيل ويقال، وإنما يضيق مجم أحدنا، وينفسح مشرب الآخر، لأن الخاطر يسنح مرة ولا يسنح مرة، والقلب يتسع تارة ولا يتسع تارة، واللسان ينطق وقتاً ويمسك وقتاً.قال أبو الخطاب: هل للخواطر والألفاظ والآراء والمقالات نسبة إلى المزاج والطينة والهواء، وإلى العناصر بالجملة؟ فقال: نعم، لها نسبة قوية، وعلاقة شديدة، ورباط متين، إلى هذه الأمور التي تنظر فيها، أو تطيف بها، أو تطل عليها، ولا سبيل مع ذلك إلى اتفاق الناس في حال من الأحوال، وسبيل من السبل ولو أمكن ذلك لوجد! ألا ترى أنه لا سبيل إلى أن يكون الناس كلهم طوال القدود أو قصورها، وضخام الرؤوس أو صغارها، وفصحاء الألسنة أو لكنها، أو على مذهب واحد أو حد، ومقابلة واحدة؟ كيف يكون هذا أو يظن والطبيعة إنما تعطي صورتها لكل شيء بحسب قبوله وتهيئته ومواتاته؟ فليس الزند من عطية الطبيعة، ولكن على قدر قبوله، وصلابة الحجر من عطية الطبيعة ولكن على قدره، فاختلاف الصور إنما ينشأ من اختلاف المواد، وهذا أصل لا أصل له، وعلة لا علة لها، لأنه لم يفعله فاعل على ذلك، بل صورة من شأنها هذا، والمادة من شأنها ذلك، والأمر مسبب على سنن ما ترى، فعلى هذا كل أحد ينتحل ما شاكله مزاجه، ونبض عليه عرقه، ونزع إليه شوطه، وعجن به طينه، وجرى بعد ذلك على دأبه وديدنه؟ المقابسة الثانية عشرة في أن إنشاء الكلام الجديد أيسر على الأدباء من ترقيع القديم سمعت الخوارزمي الكاتب يقول لأبي اسحق الصابي بن هيثم ابن هلال: لم إذا قيل لمصنف أو كاتب أو خطيب أو شاعر، في كلمة من كلام، وقد اختل شيء منه، وبيت قد انحل نظمه، ولفظ قلق مكانه: هات بدل هذا اللفظ لفظاً. ومكان هذه الكلمة كلمة، وموضع هذا المعنى معنى؟ تهافتت قوته، وصعب عليه تكلفه، وبعل بمزاولة ذلك رأيه؟ ولو رام إنشاء قصيدة مفردة، أو تحبير رسالة مقترحة، كان عسرها عليه أقل، وكان نهوضه بها أعجل؟ فقال: وقع ما وهي يحتاج إلى تدبير قد فات أوله من جهة صاحبه الأول، ومن كان أولى به، وكان كالأب له، وذلك شبيه بعلم الغيب، وقل من ينفذ في حجب الغيب مع العوائق التي دونه، وليس كذلك إذا افترع هو كلاماً، وابتدأ فعلاً، واقتضب حالاً، يستقل حينئذ بنفسه ولا يحتاج فيه إلى شيء كان من غيره، أو يكون تعلقه بيقظته يعطيه تمام ما قد فتح عليه سده، وقدح عليه زنده، ولم يكن هكذا حاله في كلام معروض عليه لم يهجس قط في نفسه، ولا أعدله شيئاً من فكره، فقد يعجزه ما لم يتأهب له ولم يرض نفسه عليه؛ نوفي الجملة: كل مبتدئ شيئاً فقوة البدء فيه تفضي به إلى غاية ذلك الشيء، وكل متعقب أمراً قد بدأ به غيره فإنه بتعقيبه يفضي إلى حد ما بدأ به في تعقيبه ويصير ذلك مبداله، ثم تنقطع المشاكلة بن المبتدئ وبين المتعقب. المقابسة الثالثة عشرة في قول القائل العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه قال يحيى بن عدي : قول القائل: العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه، وكذلك قول النحويين: الاسم قبل الفعل لا يتضمن معنى الزمان، وكأنه جار في فضايا الدهر؛ والفرق بين الزمان والدهر بين.ولعله سيمر في موضع من هذا الكتاب.قال له البديهي : فقولنا: الأب قبل الابن، أين هو من الزمان؟ قال: من جهة لا مدخل للزمان بينهما، وذلك أن الغرض فيهما أن هذا علة هذا؛ ومن جهة يدخل، لأنه يصير مؤذناً بأن هذا كان في الزمان قبل هذا في الزمان. وأما قول النحويين إن الاسم قبل الفعل، فمعقول إن ترتيبه مقدم عليه، وإلا فمتى وجد الاسم وجد الفعل، ومتى وجد الفعل وجد الحرف، فمرتبة الوجود واحدة في الجميع، ومراتب الأعيان مختلفة في الجميع.ثم قال: وينبغي أن يصفوا اللحظ الذي تجرد في نحو الأشياء الأول التي هي كثيرة بالأسماء والنعوت عند الاستعمال، وواحدة بالحقائق والذوات، فإن هذا النظر إذا صفي وتم، كفى مؤنة عظيمة، وحاز أمراً عزيزاً. المقابسة الرابعة عشرة في أن بدأ الجوهر الصورة والمادة ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ الكيف السكون والحركة قال يحيى بن عدي في درس البديهي عليه سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأنا حاضر: مبدأ الجوهر الصورة والمادة، ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ الكيف السكون والحركة. قال: وهذه المبادئ هي أوائل العالم العلوي والسفلي والعقلي والحسي، وصار إيضاحه بهذا التخليص ببحث العقل، واستنباط النفسي، وشهادة الحال، وحقيقة المطلوب؛ إن حاول محاول زيادة على هذا لم يستطع، وإن رام رائم نقصا منه لم يقدر، لأن انتظامه بالعلة الأولى، وتمامه من أجلها، ودوامه بدوامها. والحركة والسكون والنقطة والوحدة والمادة والصورة لم تختلف في أعيانها، بل القوابل التي هي بها، وبحسبها انقسمت النعوت عليها، واشتركت العبارات فيها، ومتى أمكن تسديد اللحظ إلى الغاية وإلى النهاية المتناهية لم يوجد إلا الحق الذي هو هولاً لشيء هو به، بل كل شيء هو به، وهو له، وهو من أجله، ثم قال: النقطة في الجوهر صورة، والصورة هي في الكم نقطة، والوحدة في جميعها مستولية شاملة، محتوية غالبة؛ فإليها يجب أن يرمى الرامي، وعنها يجب أن يحمى الحامي، فليس فوقها مذهب ولا دونها مبتغى.قال العروضي: إذا كانت الوحدة مستولية كما بان من القول، فما بال الكثرة أدنى ألينا، وأسبق إلى نواظرنا، وأغنى عن طلب الدليل فيها؟ فقال: لأنا بها وهي بنا، فمن هذه الجهة وجب أن تشتد العناية في تحصيلها وتقليبها حتى تظهر الوحدة في الثاني كما ظهرت الكثرة في الأول، وهو الذي يسمى سعادة، وإليها وقع التوجه، وعليها قصر السعي.ودخل أبو العلا صاعد فانقطع الكلام وفات أن يبلغ أقصى ما عنده. المقابسة الخامسة عشرة في قولهم لم صارت الكيفية تسري في المكيف إلى الأول والثاني قلت لوهب بن يعيش الرقي: لم صارت الكيفية تسري من المكيف إلى الأول والثاني؟ مثال ذلك: الرائحة التي للتفاح، فإنها تسري إلى الدماغ، وليس كذلك الكمية من ذي الكم، مثال ذلك: تفاحتان وثلاث عند زيد لا تسري كميتها إلى عمرو؟ فقال: الكمية أقرب إلى الجوهر وأشد توحداً به وأدل على المواصلة والتشبث والوحدة، وليس كذلك الكيفية بحسب الكثرة، مخالفاً لمقتضى الكيفية بحسب الوحدة، ألا ترى أن الكيفية تابعة لما ترى، أي الحس وأسبق عن الطبيعة؟ ألا ترى أن الكمية تابعة لما ترى، أي العقل ومتصل بالنفس؟ المقابسة السادسة عشر في قولهم لم صار الإنسان إذا صور كلاماً يريد تأييده بطبعه جبراً عليه؟ لم صار الإنسان إذا زور كلاماً لمجلس يحضره، وخصم يناظره، وصاحب يعاتبه، لا يمكنه أداؤه في حال ما يباشر المراد، وينحى على الغرض، ويتوخى غاية ما في النفس .فقال: لأنه في الحال الثانية يصير أسيراً في يد ما قدمه وقومه، فهو يحتاج في تلك الحال إلى قوة حافظة، وقوة مؤدية، وربما خانتاه أو خانته إحداهما، وليس كذلك إذا ارتجل كلاماً، وافترع معنى، فإنه يكون مطلق العنان في ضروب التصرف، وأفانين التزويق، غير موقوف على شيء متقدم، ولا متق شيئاً متوقعاً يخاف فجأته، على خلاف تقديره في وهمه ووضعه في نفسه، بخلوص الحال وسلامة البال، يفضيان به إلى آخر ما في نفسه، لأن الواسطة الحائلة ساقطة، والحجب مخروقة، والأولية مغيبة، والوحدة مساعدة. لا تسرع أيدك الله إلى الطعن والعيب في هذه المواضع التي نزل قليلاً، ولا يبلغ ظنك بها، فإن الجميع أخذ عن هؤلاء الجلة الأعلام حسب ما كانت المذاكرة والمقابسة تمتدان بهم ويقرءان عليهم، وكان الغرض كله أن يستفاد كل ما تنفسوا به وتنافسوا فيه، فإن شاركتني على ذلك فالحكمة فوضى بيننا، والحق مشاع عندنا، والفائدة حاصلة لنا . فإن أنجبت نجدتك وفطنتك لم تخرج من جميع وجوه العدل إلى الظلم، لكن تبعد عن الخلق الجميل، وعما يليق بالرجل الأصيل، وأساس التلافي والاجتماع، والتصافي والاستمتاع، والمفاوضة بين الناس بكل ما ينطق بالتودد والإيناس على الكرم والتفضيل، والرعاية والحياء والإبقاء والإغضاء، لا على الشراسة والعناد، ولا على ما لا يجمل بذوي الحكمة والفضل والحفاظ، والله يبلغ بك ويحسن على اقتباس الحمة عونك، ويقر أعيننا بمكانك، ويهدينا جميعاً للزلفى عنده، والمكانة فيه، بمنه وإحسانه؛ على أنك إذا استشففت هذا الكتاب كله، وقبلته وعرفت غرائبه وعجائبه، وعلمت أنك ظالم إذا عتبت، وأني مظلوم في يدك إذا استزريت، و والله لقد تعبت في تحصيل ما قالوه، وخاطرت الآن برواية ما تقابسوه، ولو قمت مقامي لما أخطأ بك حالي، ولا خلوت في عبري من بعض ما تتجنى به علي، كان الله لك، وأخذ بيدك، وأدام الصنع الجميل لك. المقابسة السابعة عشرة في هل ما عليه الناس من السيرة والاعتقاد حق كله أو أكثره حق أو باطل كله أو أكثره باطل؟ سئل بن سوار وكان ابن السمح بباب الطاق: هل فيه الناس من السيرة، وما هم عليه من الاعتقاد، حق كله أو أكثره حق، أو كله باطل أو أكثره! فقال: المسألة هائلة، والجواب هين.قيل: أفدنا أفادك الله فإن ركية العلم لا تنزح وإن اختلفت عليها الدلاء وكثر على حافاتها الواردة؟ فقال: صدقتم، واعلموا أنه إذا لحظ استيلاء الطبيعة عليهم، وغلبة آثارها فيهم، في الرأي المعتقد، والسيرة المؤثرة، فأكثر ذلك باطل، لأن سلطان العقل في بلاد الطبيعة غريب، والغريب ذليل، وإن لحظ حكم العقل ما يجب به، ويليق بجوهره، ويحسن مضافاً إليه، فأكثر ذلك حق، كان الملحوظ رأياً وسيرة وعادة أو خليقة، وعلى حسب هاتين القبيلتين يكون القضاء، ويقع الحكم، والحق لا يصير حقاً بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلاً بقلة من تحليه، وكذلك الباطل، ولكن قد يظن بالرأي الذي قد سبق إليه الاتفاق من جلة الناس وأفاضلهم أنه أولى بالتقديم والإيثار، وأحق بالتعظيم والاختيار، لأنه يكون مقوماً بالبحث، وجبوراً بالفكر، مصقولاً على الزمان، تلمسه كل يد، وتجتليه كل عين، ويصير ثباته على صورته الواحدة، دليلاً قوياً وشاهداً زكياً على حقيقته، لأنه يبرأ حينئذ من هوى منتحله ويعرى من تعصب ناصره، ويبقى بصورته الخاصة، ويحرى مجرى السكينة التي لا تحتاج إلى علاج المعالج، وتمويه المموه، وانتقاد المنتقد، وتنفيق المنفق، وحيلة المحتال. المقابسة الثامنة عشر في قول الإنسان حدثتني نفسي بكذا وكذا سألت أبا زكريا الصيمري عن الإنسان يقول: حدثتني نفسي بكذا وكذا، وحدثت نفسي بكذا وكذا، هذا، فإني أجد الإنسان ونفسه كجارين متلاصقين يتلاقيان فيتحدثان؛ ويجتمعان فيتحاضران، وهذا يدل على بينونة بين الإنسان ونفسه؟ فقال: الإنسان إنما هو إنسان بالنفس، والنفس ما هو إنسان، والإنسان له صورة بحسب قبوله من النفس، والنفس نفس بحسب ملابستها للبدن وتصريفها له وتدبيرها فيه؟ فإذا قال الإنسان: حدثتني نفسي أو حدثت نفسي، فإنما ذلك لشعوره بشرف نفسه، بقد ما استفاد من صورتها الخاصة به واستنارة العقل عليه، هذا إن كان الحديث مواتياً للحق، آخذاً بقسطه منه، وإن تكن الأخرى دخل الفساد من ناحية المادة والخلط والمزاج والقابل، ألا ترى أنك لا تقول: حدثني عقلي بكذا وكذا، ولا حدثت عقلي بكذا وكذا؟ لأن أفق العقل أعلى، وعالمه أرفع، وأثره ألطف وأنقى، ونسبه أشرف وأسنى، والإنسان متقوم بالنفس حتى إذا لحظها بعينه التي له منها ساغ له أن يحدثها ويحدث عنها ويحقق بناءها وحالها! وهي العقل بوجه آخر، والعقل هي بوجه آخر، ولكن العبارة عن هذه الخفيات قاصرة، وإن كانت النفس بها مستنيرة، فعلى هذا الإنسان يحدث نفسه بما يغلب منها، وتحدثه نفسه بما يغلب عليها منه، وهو هي وهي هو، ولكن بنوع ونوع، وحال وحال، واسم واسم، وملخوص وملخوص، وتقريب وتقريب.وهذه معان اختلست من مذاكرات هؤلاء المشايخ فلم يمكن أن تورد تامة مستقصاة، لأن الكتب التي توضح هذه الحقائق موجودة، ومن يشرح مشكلها ويفتح مستغلقها حاضر، فليكن التعويل في بلوغ غايات هذه الواضع على العلماء والكتب والقرائح. المقابسة التاسعة عشرة في السماع والغناء وأثرهما في النفس وحاجة الطبيعة إلى الصناعة خرج أبو سليمان يوماًً ببغداد إلى الصحراء، بعض أيام الربيع، قصداً للتفرج والمؤانسة، وصحبته، وكان معنا أيضاً صبي دون البلوغ جهم الوجه بغيض المحياشتيم المنظر، ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنماً ندياً عن جرم ترف، وصوت شج، ونغمة رخيمة، وإطراق حلو، وكان معنا جماعة من طراق المحلة، فلما تنفس الوقت أخذ الصبي في فنه، وبلغ أقصى ما عنده، فترنح أصحابنا وتهادوا وطربوا. فقلت لصاحب لي ذكي: أما ترى ما يعمل بنا شجن هذا الصوت، وندى هذا الحلق، وطيبة هذا اللحن، وتفنن هذه النغمة؟! فقال: لو كان لهذا من يخرجه ويعني به، ويأخذه بالطرائق المؤلفة والألحان المختلفة، لكان يظهر أنه آية، ويصير فتنة، فإنه عجيب الطبع، بديع الفن، غالب الدين والشرف.فقال أبو سليمان، فلتة: حدثوني بما كنتم فيه عن الطبيعة، لم احتاجت إلى الصناعة؟ وقد علمنا أن الصناعة تحكي الطبيعة وتروم اللحاق بها والقرب منها، على سقوطها دونها؟ وهذا رأي صحيح وقول مشروح، وإنما حكتها وتبعت رسمها وقصت أثرها لانحطاط رتبتها عنها، وقد زعمت أن هذا الحدث لم تكفه الطبيعة ولم تغنه، وأنها تعنيه وأنها قد احتاجت إلى الصناعة حتى يكون الكمال مستفاداً ومأخوذاً من جهتها، والغاية مبلوغة بمعونتها وإصدارها؟ فقلنا له: ما ندري! وإنها المسألة؟ فقال: فكروا؟ قعدنا له وقلنا: إنا قد ثلجنا، ولو مننت بالبيان ونشطت لنشر الفائدة كان ذلك محسوباً في بيض أياديك وغرر فضائلك؟ فقال: إن الطبيعة إنما احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان، لأن الصناعة ها هنا تستملى من النفس والعقل، وتملى على الطبيعة؟ وقد صح أن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، تقبل أثارها وتمتثل أمرها، وتكمل بكمالها، وتعمل على استعمالها، وتكتب بإملائها، وترسم بإلقائها، والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها، على نوع لطيف وصنف شريف، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبه، وقريحة مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوساً مؤنقاً، وتأليفاً معجباً، وأعطاها صورة معشوقة، وحلية مرموقه، وقوته في ذلك تكون مواصلة النفس الناطقة. فمن ها هنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة، لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها استملاء ما ليس لها وإملاء ما يحصل فيها، استكمالاً بما تأخذ وكمالاً لما تعطي.فقال له البخاري، وكان من تلامذته: ما أشكرنا على هذه الصلات السنية، وما أحمدنا لله على ما يهب لنا منك من هذه الفوائد الدائمة؟!فقال: هذا بكم اقتبست، وبحجركم قدحت، وإلى ضوء ناركم عشوت وإذا صفي ضمير الصديق للصديق، أضاء الحق بينهما، واشتمل الخير عليهما، وصار كل واحد منهما ردءاً لصاحبه، وعوناً على قصده، وسبباً قوياً في نيل إرادته ودرك بغيته. ولا عجب من هذا، فالنفوس تتقادح، والعقول تتلاقح والألسنة تتفاتح، وأسرار هذا الإنسان الذي هو العالم الصغير في هذا العالم الكبير، كثيرة جمة، واسعة منبثة، وإنما يحتاج الناظر في هذا النمط إلى عنايته بنفسه في طلب سعادته، ورعايته لحاله في السلوك إلى غايته، غير عائج على زهرة العين ونضرة الحس ولذة الوقت، فإنه بهذه المقدمات يصل إلى تلك الغايات، ويجني تلك الثمرات، ويجد تلك السكاين مرتفعاً عن هذه الأقذاء والقاذورات، وأول هذا الأمر وآخره بالله ومن الله. اللهم طهر قلوبنا من ضروب الفساد، وحبب إلى أنفسنا طرائق الرشاد، وكن لنا دليلاً، وبنجاتنا كفيلاً، بمنك وجودك الذين ما خلا منهما شيء من خلقك العلوي والسفلي، ولا فاتنا شيء من صنعك الجلي والخفي، يا من الكل به واحد، وهو في الكل موجود.هذا ما خلص ن هذا الاجتماع، وهو ظاهر الشرف، أتيت به على ما لقيته، فاشركني في استحسانه وقبوله، وكن معيناً على طلب نظيره، والتعاقب على الخير، والتناصر على البر، سيرة الفاضلين، وعادة أهل التقى والدين. المقابسة العشرون في أن النظر في حال النفس بعد الموت مبني على الظن والوهم قال ماني المجوسي وكان ذا حظ وافر من الحكمة لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وكان من أعلام عصره: أيها الشيخ، إني أجد النظر في حال النفس بعد الموت مبنياً على الظن والتوهم، وذلك أن الإنسان كما يستحيل منه أن يعلم حاله قبل كونه ووجوده كذلك يستحيل منه أن يعلم حاله بعد كونه، لأنه يصير مشفى علمه ومستنبط مراده عدماً، والعدم لا يقتبس منه علم شيء بوجه، ولا يستفاد منه معرفة حال، لا فيما يتعلق بالحق، ولا فيما يتعلق بالباطل؟ فقال في الجواب: ليس النظر في حال النفس بعد الموت مبنياً على الظن وإن كان شبيهاً به، ولن يجب أن يثبت القضاء في هذا المعنى بالظن للمشابهة بينه وبين غيره، لأن الفصل حاضر، والفرق ظاهر، وذلك أن الإنسان لم يجهل حاله قط فيما سلف، لأن الطريق إلى تبيين ذلك وتحصيله مسلوك، والشاهد على ثمرة المطلوب قايم، والتقريب يدل على ذلك في هذا الوقت، وإن كان البرهان في الصناعة موجوداً إذا أخذت على ترتيبها الخاص لها في معرفة المنطق، الذي هو آلة في استقراء الطبيعة، التي هي مراق، وفي معرفة النفس التي هي طلبة كل ناظر في علم ومتحقق بنحلة، كان الإنسان لآخر سيرته في هذا العالم، فلما صمدت النفس لها حركت الطبيعة على تأليفها وتوزيع الحالات المختلفة فيها، وأعطتها النفس بواساطة الطبيعة صورة خصتها بها ودبرت أخلاطها وهيأت مزاجها، فظهر الإنسان في الثاني بشكل غير الشكل الذي كان لأجزائه التي مردها في آخر البحث إلى الهيولى بالقول المجمل. والكلام في هذا ذو شعب وذوائب، ثم إن الإنسان في معارفه التي يترقى في درجاتها يجد لنفسه قنية ليست كسائر القنيات، وهيئة ليست لجميع الهيئات، أعني الحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق، فيجول طالباً لبقائها، ناظراً وباحثاً عن حقيقة ذلك، حائراً إلى أن يبلغ بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل، إلى الحد الذي يفصح له بأن النفس ليست تابعة للمزاج، ولا حادثة بالأخلاط؛ بل هي مستتبعة للمزاج ومقومة للأخلاط بوكالة الطبيعة التي هي ظل من ظلالها، وقوة من قواها، وأن النفس ليس لها استعانة بالبدن ولا بشيء منه، وأنها خالصة لا شوب فيها، وقائمة بجوهرها غنية النفس عما يفسدها ويحللها ويتخونها ويؤثر فيها، وكيف يكون ذلك وهي لا تنفعل البتة، ولا رداءة فيها البتة؟ فبهذا وأشباهه ينفتح للإنسان أن النفس يمكن أن تطلب علم حالها بعد مفارقة البدن بالأمر الطبيعي، والسبب الضروري، فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثاً عن عدم مطلق، بل هو بحث عن أحوال منزلة مشهودة، مرتبة محدودة، بل هو بحث عما يتصور غايته ويطمأن إليه، تارة بالبرهان المنطقي، وتارة بالدليل العقلي، وتارة بالإيماء الحسي، والأمر الإلهي. وقال أيضاً في مثل هذا الموضع ما يجب إيراده وإن طال الفصل وأسام ذكره إن الحسيات معابر إلى العقليات، ولا بد لنا ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ولا نقدر أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة من سبيل نسلكها، ومثل نستصحبها، وشواهد نستنبطها ونثق بها، ولو أمكننا الوصول إلى عرصات القول وبلاده كان التفاتنا إلى الحواس فضلاً، لا لأننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتسبب بها كل التسبب، ونطالب بها المعقولات كل المطالب، بل الذي يحكم به الحق ويقتضيه الحزم، أن نأخذ الأمثلة من الحس، فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ فارقناها اعتناء عنها مستريحين منها، ومن حرجها واضطرابها، ولما كنا بالحس في أصل الطبيعة لم ننفك منه، ولما كنا بالعقل في أول الجوهر لم نجهل فصله، فلهذا ما اشتغلنا بالحس ولم نقض به، ووصلنا إلى العقل ولم نميز عليه.وهذا اقتضاه قول عرض في جملة كلامه، وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول، وليس في كل معقول ظل من الحسن ومتى وجدنا شيئاً في الحس فله أثر عند العقل، به وقع التشبيه، وإليه كان التشوق، وبه حدث المقدار، والإنسان متى لم يخلع آثار الحس خلعاً، لم يتحل لبوس العقل تحلياً، وإنما شق الإقرار بمعرفة حال النفس بعد الموت لأن الحس لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها، وإن كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البينة عليها.وفي الجملة هذه المسئلة عذراء ضيقة، وعجماء مشكلة، ولكن العقل الذي هو خليفة الله في هذا العالم يجول في هذه المضايق، ويدفع هذه الموانع والعوائق، ولولا هذه العناية المرموقة، والحالة المعشوقة، بهذه الأوائل المشروحة، والأبواب المفتوحة، لكان اليأس يزهق الأرواح ويتلف الأنفس، ولكان العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد لشيء لا حقيقة له، ولا حكمة فيه، وأنه شبيه بالعبث واللعب، وليس له محصول ولا فيه شيء معقول. ولاحاجة بعد هذا البيان الذي غر دحاديه، وطرب سامعه في هذا المكان، إلا قلة الصبر على النظر، وسوء العناية في طلب الحق، وإيثار الراحة بالراحة، وقطع أيام العمر بالتمني، وتوجيه التهمة إلى الحق، وتسليط الجدل على الاستنصار، والاعتماد على البهت والوقاحة، وإلا فإن الحق معرض لك، بل بارك عليك، بل نازل عندك، بل حاضر معك، بل متجلل بك موجود فيك، وإنما تؤتى من جفائك في الطلب وسوء العناية في التحري، لا من توارى الحق عنك، ولا من اشتباهه عليك، وليس مع الجفاء والعنف وصول إلى الحق، ولا مع الرفق يأس من الحق، ألحق أسبق إليك منك إليه وأعطف عليك منك عليه وأرأف بك منك به وأظهر فيك منك فيه وكان وفياً بهذا الباب قيماً عليه، وسقط عني شيء كثير مع هذا كله، وفيما حصل تعلل؛ وعلى الله التمام. المقابسة الواحدة والعشرون في أن فضيحة حسيب لا أدب له أفظع وأشنع من فضيحة أديب لا حسب له سمعت أبا سليمان يقول: فضيحة حسيب لا أدب له، أفظع وأشنع من فضيحة أديب لا حسب له.فقال: ابن الوراق النحوي : ولم ذاك؟ فقال: لأن هذا عدم ما يقوم نفسه ويكمل ذاته، وذاك فقد ما يقوم أصله ويستر قديمه، والنفس أرفع من الأصل، لأن الأصل راجع إلى الولادة، والنفس دالة على النقص والزيادة، نعم، وعلى الشقاء والسعادة، وقد يحس الإنسان بنفسه الجيدة سقوط أبويه فيتلافى ذلك في تكسب الخير وإيثار الجميل، وشدو الأدب، وقصد العلم، كل ذلك سلف له ، كما يحس الإنسان بشرف أبويه فيتكل على ما سبق لأوليته، ولا يشغل زمانه العزيز في تحلية نفسه بحلى آبائه وأجداده أخواله وأعمامه، ليكون ذلك زينة له في حياته، وذكراً لعقبه من بعده، فلا جرم أنه أحرى من صاحبه كثيراً ثم قال: سمعت بباب الطاق في هذه الأيام، وإنسان من أنكاد السوقة يقول لأخر من ضربائه: شرفك ميت وشرفي حي، وشرفك أخرس وشرفي ناطق، وشرفك أعمى وشرفي بصير؛ قيل له: ماذا أراد بهذا؟ قال: أراد: إني بنفسي على هذه الفضائل الشريفة والحال المتمناة، وأنت بنفسك على أضدادها، لا تحيي ولا تنطق ولا تبصر، لم تنفعك أرومتك البضاء، ولم تضرني جرثومتي السوداء، ومتى نابك أمر فتحدث بشرف غيرك، فكنت بمنزلة الخصي المدل بهن غيره، وهذا ما لا يجدي عليه عند البضاع. المقابسة الثانية والعشرون في ما بين المنطق والنحو من المناسبة قلت لأبي سليمان: إني أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة، وعلى ذلك فما الفرق بينهما، وهل يتعاونان بالمناسبة، وهل يتفاوتان بالقرب به؟ فقال: النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي، وجل نظر المنطقي في المعاني، وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض، وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر؛ ألا ترى أن المنطقي يقول بخبر وهو ينفعل، والنحوي فيما خلاه اللفظ؟ ونظائر هذا المثال شوائع ذوائع في عرض الفنين والنظرين، أعني المنطق والنحو، وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، فكذلك التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط، وحد الإفهام والتفهم معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف، والحاجة إلى الإفهام والتفهم على عادة أهل اللغة، أشد من الحاجة إلى الخطابة والبلاغة، لأنها متقدمة بالطبع، والطبع أقرب إلينا، والعقل أبعد عنا، والبديهة منوطة بالحس، وإن كانت معانة من وجهة الحس، وليس ينبغي أن يكتفي بالإفهام كيف كان، وعلى أي وجه وقع، فإن الدينار قد يكون رديء ذهب، وقد يكون رديء طبع، وقد يكون فاسد السكة، وقد يكون جيد الذهب عجيب الطبع حسن السكة، فالناقد الذي عليه المدار، وإليه العيار، يبهرجه مرة برداءة هذا، ومرة برداءة هذا، ويقبله مرة بحسن هذا، ومرة بحسن هذا، والإفهام إفهامان: رديء وجيد، فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع، فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيدة بالوزن والبناء، والسجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واختصار الزينة، بالرقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان.قلت له: فما النحو؟ فقال: على ما يحضرني الساعة من رسمه على غير تصفية حده وتنقيحه: إنه نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده، أو تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه وتخليه، أو تأباه وتذهب عنه، وتستغني بغيره.قلت: فما المنطق؟ قال: آلة بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال: هو حق أو باطل، فيما يعتقد، وبين ما يقال: هو خير أو شر، فيما يفعل، وبين ما يقال: هو صدق أو كذب، فيما يطلق باللسان، وبين ما يقال: هو حسن أو قبيح بالفعل.قلت: فهل يعين أحدهما صاحبه؟ قال: نعم، وأي معونة إذا اجتمع المنطق الحسي؟ فهو الغاية والكمال! قال: ويجب أن تعلم أن فوائد النحو مقصورة على عادة العرب بالقصد الأول، قاصرة عن عادة غيرهم بالقصد الثاني. والمنطق مقصور على عادة جميع أهل العقل من أي جيل كانوا وبأي جيل كانوا وبأي لغة أبانوا، إلا أن يتعذر وجود أسماء عند قوم وتوجد عند قوم، فحينئذ الحال في التقصير يتورك على تعذر الأسماء أو على وضعها على الخلاف، إما بالتواطؤ والاصطلاح، وإما بالطبع والأسماع. قال: وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيباً يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيباً يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة. والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من العرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي. والنحو مقصور، والمنطق مبسوط. والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس. وهو مستمر على الائتلاف. والحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق، كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر من الحاجة إلى البلاغة، لأن ذلك أول، وهذا ثان. والنحو أول مباحث الإنسان، والمنطق آخر مطالبه. وكل إنسان منطقي بالطبع الأول، ولكن يذهب عن استنباط ما عنده بالإهمال، وليس كل إنسان نحوياً في الأصل. والخطأ في النحو يسمى لحنا، والخطأ في المنطق يسمى إحالة. والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل. وقد يزول اللفظ إلى اللفظ، والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول؛ فأما المعنى فإنه متى زال إلى معنى آخر تغير المعقول ورجع إلى غير ما عهد في الأول. والنحو يدخل المنطق، ولكن مرتباً له. والمنطق يدخل النحو، ولكن محققاً له. وقد يفهم بعض الأغراض وإن عرى لفظه من النحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو أشد التحاماً بالطبع. والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي. وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية. وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم. فالمنطق وزن لعيار العقل، والنحو كيل بصاع اللفظ؛ ولهذا قيل في النحو الشذوذ والنادر، ورديء المنطق ما جرى مجراهما.فهذا ما استدف من قوله، وهو باب مفتوح يمكن أن يقال فيه من هذا الجنس ما يكون شاهداً لما قال والسلام . المقابسة الثالثة والعشرون في ظرف الزمان وظرف المكان قلت لأبي سليمان: كنا أمس في مجلس أبي علي القومسي فجرى كلام في الظرف فقال له الأندلسي: أيها الشيخ، لم صار الظرف المخصوص بالزمان أطثر من الظرف المخصوص بالمكان فسكت هنية ثم قال: لا أدري. وليس هذا من النحو، وإنما النحو في هذا أن تعرف أن الظرف ظرفان، ظرف زمان وظرف مكان، وتحصي أسماء هذا وتميزها من أسماء هذا، وتقف على المواضع المخصوصة بهما والأعراب اللازم لهم أوبهما.فقال أبو سليمان: صدق أبو علي، فلقد ظلمه الأندلسي! من أين يعلم ذلك وليس عليه في صناعته أن يبحث عنه؟ لأن مبادئ كل صناعة مأخوذة من ناس آخرين قوامين عالمين؟ قلت: فلو أقدتنا فيه شيئاً؟ فقال: الظرف الزماني ألطف من ظرف المكان، والمكاني أكثف من ظرف الزمان، وكأن المكان من قبيل الحس، والزمان من قبيل النفس، وكأن الزمان من حد المحيط، والمكان من حد المركز، فوفر لهذا أن يكون تصرف الألطف اكثر من تصرف الأكثف، وبحسب تصرفه تكون أسماء أحواله في تصرفه أكثر، والزمان منسوب إلى حركات الفلك، فجوهره شريف. والمكان من جوهر المحيط، فجوهره محطوط. والفلك أقرب من الأمور العالية، فكذلك مرسومه الذي هو الزمان.قال: ومما يشهد أن الزمان ألطف، أنك تقول: زمان حاضر، وزمان ماضي، وزمان مستقبل. هذا بالنظر الأول، وقد أحس به كل الناس، وهو يزيد بالمنطق على هذه القسمة زيادة بينة، ومن أجل تصرف الزمان في الوجوه الكثيرة، استخرج يحيى بن عدي المنطقي من قول القائل: القائم غير القاعد، وجوها تزيد على عشرين ألف وجه بآلاف، ورسالته في ذلك حاضرة.ثم قال: ومما يزيد لطافة الزمان وضوحاً أن الزمان الواحد يجر إلى أكثر من واحد، إلى مالا آخر لهما، والمكان الواحد متى شغل بالواحد عجز عن الثاني. ثم قال: وأي نظر أشرف من نظر الفيلسوف الذي يرتقي من السفل فيجول في الوسائط، ويبلغ إلى العلو، وربما انحدر من العلو فخرق بمدة الحجب كلها، مبيناً عنها وعن جملتها وتفصيلها، بمعرفة موزونة من العقل، وروية مؤيدة بالبصيرة، وحقائق بالعدل موزونة، وتصفح بالغ إلى الحد الأقصى، بلا ظرف ولا ترقب ولا شك ولا مرية، بل علم ثابت ومعرفة راسخة، وبيان جلي، وشاهد قائم، وبرهان موجود، وللمشغوف بالحكمة في هذه المواضع مراد ومسرح، ومرمي ومفتح، وذلك لأن الآلهية عالية، وعلائقها متشاكلة متناسبة، ومواهبها متقاربة متواصلة، ومتى كشف الغطاء بالنظر والفحص بأن منها ما يبهر كشعاع الشمس.وكان نضر الله وجهه إذا سلك هذا الوادي سال عرقاه، ولم يدرك طرفاه، وكان يخرج من باب إلى باب، ومن صنف إلى صنف، استراحة من طول جمامه، وإنسا بمن يفهم عنه بعض مرامه، وذلك أنه كان مهجوراً مطرحاً، فيطول سكوته ويتضاعف أربه، فإذا حرك أدنى تحريك انفتح وانفرج وترك التقية الموحشة، والمداراة الثقيلة، وكان ربما أنشد بعد هذا الشوط الطويل، والنفس المديد، قول الشاعر: لو كنت أقدر أن أقولا لشفيت من قلبي غليلاً لكن لسانـي صـارم ملئت مضاربه فلولاً المقابسة الرابعة والعشرون في الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة سألني أبو سليمان يوماً عن الطبيعة وقال: كيف هي عند أهل النحو واللغة؟ أهي فعلية بمعنى فاعلة، أو بمعنى مفعولة؟ قلت له: أكره أن أرتجل الجواب عنها، لعلي أدفع فيه إلى الاعتذار منه، وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافي غداً إن شاء الله، وهو اليوم عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض.فقال: إنه كذلك، اجعله منك على بال، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه المسئلة.فسألت أبا سعيد عنها فقال: هذا من قبيل الأسماء المحضة، لا من قبيل الأسماء المشوبة، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول، كذبيح بمعنى مذبوح ولكن يقال هو فعل في أصله كجبير وأثير، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه، ولفعيل أسرار ووجوه، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الأمراء، وإذا لم يكن بد من اعتباره على طريقة هذا السائل، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى، وذلك أنا نقول: طباعه كذا وكذا، وطبيعته، أي ما طبع عليه، وبمعنى فعل، والمفعول فيه أبين، وأخواته يدللن على ذلك، أعني الضريبة، والسليقة، والسجية، والغريزة، والنحيزة.قال: وهذا كلام كاف في الحرف.فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها ههنا كالحواجب، وإن لم تكن محتاجاً إليها من كل وجه، ولكن الكلام له صورة لا تملك، وغاية لا تدرك، وإذا أعادها زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه، وتسهل له، وتحدث عنه، فقد برئنا من العنف واللوم والإفراط في التوبيخ، إن شاء الله تعالى.قال: واعلم أن للأفعال مراتب مختلفة، ومواضع متباينة، فالظاهر منها مرتبة ضرب، وما ماثله فإنه نافر، أي مبعد، ولست أعني بما مائله ما كان ملاشياً، بل ما زاد عليه أيضاً، ولكن بعد أن يكون له أثر منفصل من فاعله، ثم ما عدا هذا أيضاً مراتب أعلى ما يلزم كقولك خلا، وعدا، وكرم وظرف، وعلم، وسلم، وثبت، ورتب، ثم قال: ما زاد أيضاً مثاله، هذا حكمه، كقولك: تدحرج، واحر نجم: والإنسان له في كل شيء من هذه الأشياء شكل يباين شكله الآخر ضرباً منه المباينة، يشعر به مرة ويسهى عنه أخرى، ومجموع الأفعال فعل يحدث بك من غيرك، مثل ما يحدث لغيرك منه، مثاله: ضرب، وضرب يحدث بك منك، مثاله: حسن وسمع، وضرب يحدث فيك، مثاله: خجل ووجل، ونسي، وفي نوع ما يحدث بك ما يجوز أن يؤمر به وأن ينهى عنه، مثاله: إشجع ولا تحببن، وأعلم لا تجهل، وها هنا ضرب تحدث أنت فيه أو تحدث به، مثاله: كن وجد واعدم، وإذا حققت النظر كنت للمطاوعة أغلب على جميع هذه الضروب إلا ما تميز عنها، ولم يلتبس بها.إلى ها هنا حصل ما اتصل بما كنا فيه، وكرهت اختزاله عنه، وأعود فأتمم صدراً بدات به في هذه المقابسة بعجزه، نعم فبادرت بالجواب إلى أبي سليمان وقصصته قراءة عليه.فقال: هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا الشيخ، غيض من فيض، وشرارة من حريق. ثم قال: وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من قبولها من النفس، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها، فإن الطبيعة كالهدف لما عنى النفس، وكالشيء الشاحي فاه المنتظر لما يلقى إليه ويرسم له، لا يتعدى حكمه، ولا يعصي أمره، ولا يخالف نهجه، وهذا شأن النفس مع العقل، ولكن أعلى من هذا، لأن الفيض الأول والوجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا اعتراض، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس، ثم التنزيل والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها، وبقوافيها ومعاينها وتظهر عند ذلك الأشكال المختلفة في الأشخاص، وتبدو قواه بوسائط المسانح والإحساس، فأما إذا وفى حقها فيما يقبل منها ما دونها، وينقاد لها ويأتمر لأمرها، ويجري على رسمها، ويظهر تشكلها في الأجزاء المتشابهة المختلفة العناصر، المختلطة والمتميزة، والمواد المستعدة والأبية، والأشتات المتلائمة والمتباينة، فإنها في حد الفاعلة التي تطبع وتنقش، وتصلح وتجمع، وتؤلف وتنقض، وتحظر وتبيح، وتندر وتستخرج. وهذه الرتبة حصلت لها من تقبلها للنفس لأنها أعطتها صورتها وكانت فاعلة بها، ولأنها قبلت منها فكانت منفعلة لها، فلها المرتبتان والحدان، بنظر ونظر، ووجه ووجه.قال: وإذا وقف على هاتين الحالتين، الأولى بموجب اللسان العربي، والثانية بقضية الاعتبار النظري، لم يبق في الطبيعة من هذا النسق ما يفتقر إلى إيضاحه والإبانة عنه، لأن التصفح قد أتى على كل ما كان في القوة من هذين الوجهين. فأما حدها الذي هو لها بالتحقيق وهو ما قال أرسطو طاليس إنه مبدأ الحركة والسكون. وإيضاح هذا بين في الكتب الموضوعة فيه وفي أشكاله، وإنما قويت العناية في شرح هذا القول على قدر ما بدا من المسئلة والجواب.تابعت حاطك الله من هذه المقابسات الثلاث لأنها متواخية في بابها، أعني أنها في حديث النحو واللغة والمنطق والنظر، وبهذا تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحوياً، والنحوي منطقياً، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها. والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح. المقابسة الخامسة والعشرون في معارف الناس وأقسامها بالقول المجمل على التقريب قال: سمعت شيخنا أبا سليمان يقول: معارف الناس بالقول المجمل على التقريب تنقسم أصولها إلى الظن والوهم، والحدس والعقل، واليقين والشك، والغالب والسابق، ولا إيهام والايجاس والخاطر والسائح واللائح، ثم إن هذه كلها تتخالف مرة وتتلابس مرة، وتراآي مرة وتتوارى، ولن يخلص مطلب من المطالب، ولا مذهب من المذاهب، من شوب مثلها، على قدر القلة والكثرة، والضعف والقوة، واللين والشدة، وعلى حسب المزاج والهيئة، والخلط والطبيعة، والمنشأ والعادة، وعلى ما يعجب الإنسان من استبداده أو تقليده؛ ولو خلص مظنونه من موهومه، وتميز محسوسه من معقوله، وانفصل معلومه من مجهوله، وبان ملتمسه من هواه، لكان لا يدخل الظنة في العلم، ولا يدب الحس في العقل، ولا يتفشى العقل في الحس، ولا يكدر الحق بالباطل، ولا يصفو الباطل بالحق، ولتوضحت الأشباء بأعيانها، ونقيت من أدرانها، وزال شك الناظر في أثنائها، ووقع على حقائقها وأنبائها، وعاد ثلج الصدر باليقين، معمور النفس بالسكون، غنيا عن تأليف القياس والبرهان، وتصنيف فنون القول والبيان؛ ولكن الإنسان مضروب بالظن والحدس، ومصنوع بالعقل والحس، ومردد بين النقص والزيادة، ومعرض في كل وقت للشقاوة والسعادة، لا فكاك له من جميع ذلك ما دام في مسكه الطبيعي، وعقله الجزئي، وجهله الكلى. اللهم إلا أن يلبسه الله لباس الرحمة، وينشيه غشاء العصمة، فحينئذ إن قال قال الصواب، وإن فعل الواجب، وإن اعتقد اعتقد الحق، وإن هم هم بالخير، وإن نوى نوى الجميل، وإن حث حث على الصلاح وإن زجر زجر عن الفساد، وإن لحظ لحظ العلو، وإن غض غض عن السفل. فقال له بعض الحاضرين: فكأنه يفارق الطبيعة البشرية، وينسلخ من العوائق العنصرية؟ فقال: يفارقها من وجه ولا يفارقها من وجه يفارقها بأن يميت هواجسها إماتة، ويسكن سونحها تسكيناً، ويخمد لواهبها إخماداً، ويقتدر على بلوغ هذه الغاية اقتدارا. ولا يفارقها بأن يبقى إنساناً لا طبيعة له ولا مزاج ولا بشرية! هذا ما لا يجب ولا يكون وقدر ما أمكن من ذلك قدراً يجاوز كل أمنية، ويشرف على حال سنية؛ وهذه هي حال الفلاسفة الكبار، وحال البررة الأخيار، وحال من قد خصه بالزلفى، وأناف به على الذروة العليا واندفع في هذا وما شاكله يقوى بدر وتبر وتمر. وكان كاملاً بهذا الفن لا يؤتي فيه من عي ومس، ولا من نقص ولبس، وقام جلساؤه عنه في هذه العشية وكأنما قد نهلوا من الخمرة الصرف والشراب العتيق، وكان كلامه أكثر من هذا ولكن إلى ها هنا بلغ حفظي وتتبعي، وسيمر عنه ما يشفي القرم، ولا يورث السأم، إن شاء الله تعالى. المقابسة السادسة والعشرون في أن اليقظة التي لنا بالحس هي النوم والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول: رأيت ثابت بن قرة الحراني في المنام قاعداً على سرير في وسط دجلتنا هذه، وحوله ناس كثير، كأن كل واحد منهم من قطر، وهم على خلق مختلفة، وهو يعظهم وينسبهم في خلال وعظه وكلامه، وحصلت عنه نكتة شريفة ذهبت مني في اليقظة وساءني ذلك. هذا وكنت أسرح تفكري كثيراً في الظفر بها والوقوع عليها، فلا يعود بطائل، فلما كان بعد دهر، وبعد اختلاف أحوال، ذكرت أنه قال: خذ يا إبراهيم ثمرة الفلسفة من هذه الكلمات الشافية التي هي خير لك من أهلك وولدك ومالك ورتبتك: اعلم أن اليقظة التي هي لنا بالحس هي النوم، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة، ولغلبة الحس علينا قد اتفقنا أن الأمر بخلاف هذا، وإلا فغلب العقل مكان الحس يتصدع لك الحق في هذا الحلم، فإذا وضح هذا فبالواجب أن ينبغي أن ينقص من الحس، وإن ظننا أن اليقظة من ناحيته، ويلتبس بالعقل وإن ظننا أن الحلم من ناحيته.وكان أبو اسحق يقول: وهذه النكتة مقر وشيها، ولكن بقي أن تفهم منتفعاً بها، وتسمع على وجه التقبل لها، لا على معنى الاعتراض لها: الفلسفة هي لطائف العقل، فكل من لطف وصل إليها، ولطف الإنسان في طلبها هو تأتيه عند التفهم، وصبره عند الطلب، وشأنه على السيرة التي ندب إليها المشفقون الناصحون، فإن النفس تزكو عند ذلك، والصدر ينشرح، والخاطر يتوالى، فلا يبقى حينئذ باب إلا انفتح، ولا مشكل إلا وضح. المقابسة السابعة والعشرون في هل يقال الإنسان ذو نفس كما يقال هو ذو ثوب؟ سئل أبو سليمان: هل يجوز أن يقال: الإنسان ذو نفس، كما يقال هو ذو ثوب وذو مال؟ قال: أما على التحقيق فلا، وذلك أن الإنسان قد يكون ذا ثوب وذا مال، وقد لا يكون، ويستحيل أن يكون الإنسان إنساناً إلا وهو ذو نفس، إلا على السعة والمجاز.قيل له: فهل تقول: إن النفس ذات إنسان؟ قال: لا، لأنها غنية عن الإضافة، ألا ترى أنه لا يقال إن الثوب ذو إنسان، وإن اليد ذات إنسان، كما يقال الإنسان ذو ثوب؟ وذويد؟ لأنه لا حاجة بالثوب إلى الإنسان، وإنما الحاجة بالإنسان إلى الثوب واليد.ثم قال: واعلم أنه ينبغي أن يفهم من قولنا: الإنسان ذو نفس، أنه بالنفس إنسان، لأن الإنسان عرف بالنفس أنه إنسان. ومما يزيدك بياناً أنك إذا قلت: ذو نفس، فقد أضمرت في الإنسان نفساً في الأول، ثم ميزته بعد بقولك: ذو نفس. وهذا رجوع فيما أعطيت، ألا ترى أنك إذا قلت: الإنسان ذو ثوب، لم يتضمن الثوب في الإنسان، بل تميزه منه حتى تكون إشارتك إلى هذا غير إشارتك إلى هذا؟ فقد انكشف أن الإنسان لا يقال هو ذو نفس إلا على سعة وتجوز؛ ومما يزيدك أيضاً استبانة أن معنى الملك يستحيل في هذا الكلام، وقولك: الإنسان ذو ثوب، إيضاح للملك والملك غير المملوك، وليس الإنسان مع النفس، فإنه لا يملك النفس، بل النفس تملكه، ألا ترى أنها تصرفه وتكلفه وتستعمله وتستكمله؟ فأين معنى الملك الذي يقتضيه اللفظ في جميع نظائر هذا القول؟ والسلام. المقابسة الثامنة والعشرون في هل هنا غير المعقول والمحسوس؟ قيل لأبي سليمان: هل ها هنا غير المعقول المحسوس؟ فقال: الترتيب في القسمة الصحيحة يضاعف هذا ويزيد عليه، وذلك أن لنا أشياء كثيرة في هذا الباب، أولها محسوس، ثم محسوس معقول، ثم معقول بحت، ثم معقول محسوس.فأما المحسوس البحت، فما للبهيمة وما يجري في حكمها.وأما المعقول المحض، فما للفلك بأسره.وأما المحسوس المعقول، فما يتخيله الإنسان الذي لم يصف بعد.وأما المعقول المحسوس، فما يدركه النظر بالبحث. وكلما أمعن في هذا بلغ إلى عالم الأجرام الناطقة الحية التي قد غنيت عن الحس بفضل ما لها من الفيض الدائم.قيل له: فماذا يبلغ؟ قال: قد قلنا مراراً بأن تستنير نفسه بالمعارف الصحيحة، وتعتدل سيرته على الطريقة العقلية، وتطهر أخلاقه من الأوساخ الطينية، وتنفذ قوته في الأمور العالية.قيل له: فلم استغنى في نهاية المعقول عن الحس، ولم يستغن في نهاية الحس عن العقل؟ فقال: لأن المعقول في نهايته حس، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه، ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم، ولا بد من عقل يوصل به إلى الباري على الخصوص. والحس رائد، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه، والعقل مستريد، لكنه يستريد ممن هو دونه، فوردت العلة في الأصل والفرع، اصل الوجود وفرع العدم مزاجه، انتهت الحال تامة إلى مالا يعرفه الجاهل عمى، ولا يدركه استحساراً، ولا يناله المترف كسلاً، والسلام. المقابسة التاسعة والعشرين في أن الفاعل الأول هو علة المحسوسات والمعقولات سمعت النوشجاني يقول: قد وضح بالعبرة الصحيحة، والتصفح الشافي، والنظر البليغ، أن الفاعل الأول هو علة كل ما يرى ويوجد ويعقل ويحس لا قصد له في أفعاله، ولا غرض، ولا مراد، ولا اختيار، ولا روية، ولا توجه، ولاعزيمة، ولا معالجة، ولا مباشرة، ولا مزاولة، ولا محاولة فقال له بعض الحاضرين: لو أيدت هذا القول ببرهان ساطع، أو بدليل مقنع، كنت قد شيدت ما أسست، وقويت ما بنيت؟ فقال: إن هذه كلها دخلت أفعالنا لعجزنا وفسولتنا، وانحطاطنا وضعفنا وتهافتنا وتحولنا، وتبدلنا وسيلاننا ، وجبرت مكاسر نابها، وتمت نواقصنا بمواصلتها، وانسدت مفاقرنا باستعمالها، فأما الباري الحق الذي هو واهب كل كامل كماله، وجابر كل ناقص نقصه، فهو علي عن الأغراض والعلل والمسالك.قال له السائل: فكيف اتفقنا على أنه منعوت بالحكمة، وأفعاله على ما زعمت؟ وكيف يبان عن هذا ويتحقق حتى يخلص من خوائن اللحظ والقلوب، وسرائر اللفظ من الألسنة؟ فقال: لعمري إن في إيضاحه لصعوبة وعسراً، وإن كان العقل قد قضى بما قدمته، وعلى صعوبة ذلك فإني اولف على التقريب قولاً عسى أن يكون للسامع فيه رضى ومقنع، إن لم يكن فيه مرآى ومسمع. ثم ابتدأ فقال: قد وجدنا في أفعالنا ما يبدر في بعض الزمان من غير قصد مفروض، ولا مراد متوجه، ويشتمل مع ذلك على النظم والإتقان والصواب، والإحكام، والمواءمة والسلامة، حتى نتعجب من أنفسنا غاية التعجب ونتهادى الحديث به، وليس منا أحد إلا وهو يجد هذا لنفسه من فعله، أعني البادر والخارج عن قصد متقدم، وعزم مستحكم، ورأى مثبت، ومقدمة مرتبة، وحتى يظن كثير منا أن ذلك انقلب بلا مؤامرة وانبجس بلا فكرة، وانبعث بلا روية، وتم بلا قصد، وحدث بلا تقدمة وعرض بلاعلة، وكأنه كالشيء الباين بنفسه، القائم بذاته، وعند اتفاق الأمر على التئامه وانتظامه، يكثر شكرنا لله عز وجل وحمدنا إياه، فترى أنه كان صنعاً منه لنا، ولطفاً منه بنا، ويداً سبقت بالحسنى إلينا، ونعمة من الله تعالى توالت علينا، وقد تتصل ببعض أفعالنا وأعمالنا أيضاً بالقصد والغريزة والرأي والهمة والروية، وسائر مقدمات العقل وأوائله، ودواعيه وتوابعه، ومع ذلك تزل عن شرح النظام، وتعدل عن طريق التمام، وتحيد عن سنن الغاية، ونزول عن بلوغ الحد والنهاية؛ فالأول البادر منها منهاج لنا أن نعلم أن الفاعل الأول أحكم فعله ذلك الإحكام بل أجل منه أيضاً كثيراً وإنما ضربنا هذا المثل تمثيلاً، وأن الذي كان منا في الفينة بعد الفينة، والفرط بعد الفرط، هو الذي يكون منه على الديمومة والسرمدية على هيئة أشرف مما يعتاد ويستأنف، والثاني البادر منه أيضاً طريق لنا إلى أن نعلم نقصنا في كمالنا، وعجزنا في قدرتنا، لأن القدرة تخص، والرؤية تتقدم، والغرض ينتصب، والفعل يمكن، والتحليل يقع، ومع ذلك لا يتم الفعل ولا يصح المقصود. وفي البادر الأول يتم ذلك كله، وليس هناك داع قوي ولا ضعيف، ولا شيء من مواجباته واه ولا حصيف؛ وبين هذين من البادرين محجة الأفعال بالاستطاعة والقدرة والقوة والتمكين والدواعي، لا يد فيها دافع، ولا يمتنع من الاعتراف بذلك ممتنع. فقد شهد العقل في مراتب هذه الأفعال بين ما بدر في الطرفين، ولين ما استمر بينهما، بأن الفاعل الأول يفعل ما يفعل بغير قصد ولا روية ولا اختيار ولا غرض، بشهادة ما بدر من الإنسان في وقت دون وقت، ولو تمت أفعال الإنسان أبداً بلا قصد ولا رؤية ولا غرض ولا إرادة وصار هذا البادر منه مألوفاً، كانت هذه القوى فيه فضلاً أو غبثاً؛ ولو كانت أيضاً تتم أبداً بها ومعها وعندها ومن أجلها، كان مضافاً إليها ومحمولاً عليها، غير موقظ في عرضها على أسراراها، ولا مدعو إلى البحث عنها، ولا منبه على اعتبارها واستتارها، فأعار الله هذا الإنسان هذه القوى إعارة وألبسه هذه الجلابيب إلباساً، وصرفه فيها تصريفاً، فإن يمر بها شيء فلأن المعوق حاش هذا الإنسان إلى الإذعان والطاعة.قلت له، وقد بلغ بهذا الموضع بعد انبهار وجهد: ولم بدر من الإنسان ما بدر في الأول؟ قال: لأن فيه جنية آلهية، وجزءاً ربانياً، يتسق به ما يتسق، ومن أجله يتفق ما يتفق.قلت: فلم بدر منه البادر الثاني؟ قال: لأن هيولاه عالية، وطينته سافلة، وصورته التي هو بها ما هو ممتزجة، ولا بد للهيولى من الانفعال الذي هو من شأنها، كما لا بد للصورة من الفعل الذي هو من شأنها، وكل متقدم منها فله أثر منها ظاهر إلى أن يغلب سلطان الصورة فيبطل حكم الانفعال، أو يغلب سلطان الهيولى فيبطل حكم الكمال. والترجح بين هذين هو الذي يسلك إلى الغاية التي يسعد بها وإلى النهاية التي يشقى بها. ونحن نسأل الله عصمة تقي ونعمة تزيد وتنمى قد زال أبقاك الله عن سمعي وبصري وصدري كثير مما كان صلة لهذه الجملة والبقية كما تراها، ويصالحها العقل بالتحية والرحب، فيتلقاها إبالبشاشة والبشر، وليس يوصل إلى أعماق الفلسفة وعويص الحكمة الآلهية لا بالإشارة والإيماء، والرمز والإيماض. المقابسة الثلاثون في هل يقال أن الباري تعالى لا شيء؟ قيل لأبي زكريا الصيمري بباب الطاق في الوراقين وأبو سليمان حاضر: بلغنا أنك لا تقول إن الباري شيء؟ وهذا مذهب كالشنع إن لم يكن كالمحال، والمعروف غيره عند كافة الناس؟ فقال: قولنا شيء، ليس باسم، ولا فعل ولا حرف، ولا نعت، ولا مصدر، ولا ظرف، ولا حال! ولست واجداً نصاباً يقر فيه، ولا منزعاً ينزع إليه، وإنما صار له مفهوم بحسب اتصاله بغيره، وانضمامه إلى ما يتم به، كقولك، هذا شيء إذا أضفت إلى نفسك. وهذا شيئك، إذا أضفت إلى مخاطبك. وهذا شيء فلان، على هذه الوتيرة المعترف بها. وأما قولك شيء على نكرته وأصله وتجرده، فليس يجلب فائدة ولا يحدث ثمرة ولا يوجب علماً. والنفس لا تأخذ منه معنى، والفهم لا يحلو منه بجملة، والحس ينفي عنه ضربة واحدة، فأما إن عرفتة بالألف واللام فقلت الشيء، فإنه لا يكون له أيضاً ثمرة حتى تتصل المعرفة المجتلبة إليه بغيره وتنكشف، اللهم إلا أن يكون بينك وبين صاحبك عهد بشيء من الأشياء، فحينئذ ذلك العهد يشير إلى غير ذلك الشيء الذي في نفسك، ويذكر عهدك به وعهده بك ثم قال: فان قلت مستزيداً: لم لا يكون للأسماء؟ قيل: لأنه لا ينبغي أن يوجد شيء من الأشياء ثم يولى اسماً بأنه زيد أو نعتاً بأنه يسيل؛ أو حالاً بأنه قائم، وخاصة بأنه ضاحك، وسائر ما يتبع هذه الأوائل مما لا يحصى كثرة، وهو مشهور عند كل أحد. فإن سميت ما لم يوجد فذلك لأنك أعرته اسم آخر موجوداً. فإن قلت: فلم لا يكون نعتاً؟ قيل لك: لأنه قبل أن ينعت يكون شيئاً. وإنما النعت يقرره ويميزه ويحليه ويوضح عنه. فإن قلت: ومن أين كان هذا هكذا؟ قيل: لاشتمال قولك الشيء واحتوائه. ألا ترى أنك تطلقه على المعدوم، على تفاوت درجاته؛ كما تطلقه على الموجود، على تباين طبقاته؟ وتعين به ما في الحس تعيينا، كما تشير به إلى ما في العقل إشارة؟ وتستعمله فيما يفرضه فرضاً من غير حقيقة، كما تستعمله في ما هو موجود وله حقيقة؟ فلوقوعه على كل ما عدم ووجد، ويعدم ويوجد، ما وجب أن لا يطلق على من كان يعلو على كل شيء، وهو منبعث بكل شيء، ومعطي كل شيء ما على ما هو به من جسم وجوهر، ومحسوس ومعقول، ومفروض ومعلوم، ومشهود وموهوم، وبائد وثابت؟ وكنت سمعت الشيخ علي بن عيسى الرماني النحوي الصالح يقول: الشيء مصدر شاء يشاء شيئاً، كقولك جاء جيئاً، والمشية كالمجية، وإنما أعمل على ما ترى لتعلق ما نجد حساً وعقلاً وظناً ووهما. فالمشيئة ولاشيء بهذا المعنى بعض خصائص الاسم، وخرج به عن أصل المصدر. ولهذا أشباه.وقال أبو سليمان في هذا المجلس، زائداً في هذه الفائدة: لا ينبغي أن يطلق على الباري موجود! قلنا: ولم؟ قال: لأن الموجود مقتض للواجد لا محالة، والواجد في صيغته مقتض للموجود لا محالة، فالرباط قائم، والتعلق بين، والله تعالى يجل عن هذه الرتبة لأنه لا واجد له، ولو كان له واجد لكانت مرتبة الواجد فوق مرتبة الموجود بدلالة سائر الأسماء والصفات.قلنا له: قد قيل: معبود ومحمود وموجود، وما ضارع ذلك؟ فقال: أما إذا تجوزت في الكلام، وتفسحت في العبارة، فكل هذا على باج واحد. وإنما الخصوصية للذين دققوا في التوحيد من هذه الجهات الغامضة والإشارات اللطيفة. على أن الذين أباحوا هذه الأسماء أعاروه إياها لأنهم نقلوها عن غيرها ونعتوه بها؛ وذلك غاية طاقتهم، ومبلغ علمهم، ونهاية جهدهم.ثم قال: إن أطلق الموجود على أنه اسم فقط جاز؛ لأن الموجود في الأول إنما اقتضى الواجد وصار مضمناً به، لأنه التبس بالصفة. فأما إذا جرد اللفظ من معنى النعت واستعمل على مدرجة الأسماء لم يكن كبير تقصير إلا من وجه واحد، وهو أن هذا الاسم بعينه هو صفة في مكان آخر. فالشركة حاصلة ضرورة، والتوحيد مباين للشركة، كانت الشركة مجازاً أو إشارة أو تثبيتاً وحقيقة. وهذا كما تسمع. وما أزيدك استبصاراً وتعجباً منه واستغراباً له، وهو نمط ما سمعته من صنف من أصناف الناس، فإن سرك فاستفده. وإن سقط عليك فدعه لأهله فلست الغيار على هذا الخلق. المقابسة الواحدة والثلاثون في أنه لو اقتضت إرادة الباري عدم البعث والنشر لما قدح ذلك في ألوهيته سمعت مقداداً يقول: لو انتهى غرض من تقدس وعلا في الإنسان مع هيئته المعروفة وحليته المألوفة، إلى أن يموت ثم لا يكون له بعث ولا نشور، ولا معاد ولا منقلب، لما كان ذلك قادحاً في آلهيته، ولا متحيفاً لطرف من أطراف حكمته، ولا معاند لما يليق بربوبيته؛ فكيف وقد نصب العلامات، وأحكم الشواهد والبينات، وأقام البرهان والآيات، على تحقيق المعد وحصول السعادة والشقاء، بحسب الصور الموجودة لواحد واحد؟ ثم قال: لو سألنا العقلاء بأسرهم، وسألنا أعقلهم فقلنا: ما تقول في بدنك إذا بطل بأسره ولم يبق منه شيء إلا العين التي من شأنها أن تبصر الأشياء؟ فإن جوابه لا يعدو أن يكون: إذا لم يكن بد من فناء جميع البدن بأجزائه فلأن تبقى العين وهي أشرف ما فيه، أو السمع وهو في الشرف بمكان خير من أن لا يبقى شيء ويبيد كله ويضمحل جميعه؟ قال: فيقال له: فكذلك النفس في بقائها بعد أن يصرخ عنها قشورها وتفارق مختارة لبوسها؟ قال: وإنما ضربت هذا المثل، وعرضت هذا التشبيه، لأنه قال لي قائل: ألإنسان لا يبقى فإذا لم يبق الإنسان فأية فائدة فيما يبقى منه أوله أو آخره؟ قال: وهذا لو ضرب المثل بمن له ولد، أعني لو قيل لا سبيل إلى بقائك بذاتك لأنك لا تحتمل ذلك بعنصرك ولكن يبقى بعدك ولدك الذي هو بضعة منك وفاضل عنك، لآثر بقاء ولده من بعده إيثاراً حسنا طيب النفس به، فإنه يرى أن ولده منه أو هو هو، لأنه يرى مصاصته وخلاصته وبصاصته وسلالته، ولا يكاد يفصل بينه وبين نفسه إلا بالشخص، والشخص فقط.ثم قال موضحاً لما اتصل بصدد كلامه: إعلم أن الإنسان لا يبقى إنساناً لأن الإنسان إنما هو إنسان بحده المنطقي فإذا صفا مما كان به كدراً، وانبسط إلى ما كان عنه مركباً، وانتهى عما كان به محدوداً، وارتقى مما كان به هابطاً محظوظاً، وخلع الصورة الملابسة للحس، والغشاء اللاصق به من ظاهره، فإنه حينئذ يكون الباقي الذي كان مرة إنساناً، لأن الإنسان اسم للحد المعروف، أعني الحي الناطق المائت. فإذا ارتفع الحد ارتفع الاسم وحقت الحقيقة التي كانت النفس موجودة بها حاصلة. ألا ترى أن الإنسان إذا قدم فكره في حالة خالية الأيام الماضية، قبل أن حوى حده، وملك صورته واقتنى به خاصته. ونوعه وفصله وجنسه وعرضه، ثم إنه كان على حال أخرى ولم يكن يحب من ذلك أن لا يكون في الثاني على هذه الجملة؛ فكذلك إن كان الآن على ما هو عليه، ثم تحول عنه إلى ما ليس الآن عليه، ليس ينبغي أن يكون منكراً مردوداً، متعجباً منه مجحوداً، لأن الذات باقية كما كانت في الأول، وإنما تخللت حجباً، وقطعت طرقاً، واستعملت أشكالاً، وأظهرت أحوالاً، واستكملت استكمالاً، ونالت شرفاً وعلوا وجلالاً. المقابسة الثانية والثلاثون في علة امتناع الرؤيا في المنام سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبي محمد العروضي وكان أبو محمد يتفلسف ولزم يحيى بن عدي دهراً : أنا قليل الرؤيا، وقد ساءني هذا، وقد خلت أن ذا من عمى القلب؟ فقال أبو محمد: هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين: أحد الأمرين كدر النفس بالجهل، وظلمتها بالغباوة، وامحاء صورتها بصدأ الدهر، وقلة اقتناء المعارف، وشدة انجرادها من الغير، وهذه حال دهماء العوام. وأما الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعي رياض العلم، فيصير حالها في الحلم قسيمة حالها في اليقظة، إلى الكهانة، حتى إذا حدس قرطس، وإذا ظن ظن، وإذا وهم هجم، وإذا اعتبر عبر، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط باستخراج الدقائق، وتأليف المقدمات، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد الحق وبحبوحة الصواب؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط، أي من غير إعمال أداة وإحضار آلة.قال: وهذه كبها من درجات النفس، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر والتقليب، وتارة بالوحي والإلهام، والإلقاء والسنوح، والموافقة والمصارفة، وما جرى في نظائر هذه المعاني، والتبس بما يكون شطراً لها، وهذه حال تقع أولاً في مزاج مهياً، وترتيب معدل، وطنية حرة. ثم يظهر ثانياً بتهذيب النفس، وتطهير الأخلاق، وتصفية الأعمال، وقمع الشهوات. وكل من كان قسطه من الحال الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر. وهذا باب طويل الذيل مياس، وفيما وقع النص عليه، ووصلت الإشارة إليه، بلاغ لمن آثر رشده، وقصد حظه، وبذل سعيه، وأم غايته. وفقنا الله لما يجب واستعملنا فيما يرضى، أنه قريب مجيب. المقابسة الثالثة والثلاثون في الحركة والسكون وأيهما أقدم؟ سئل أبو محمد العروضي مرة عن الحركة والسكون أيهما أقدم؟ فقال: أما عند الحس فالحركة أقدم، وأما عند العقل فالسكون أقدم. وبعد فالسكون عدم الحركة، وكل حس فقوامه بالحركة، وكل عقل فصورته بالسكون، ونظامه بالهدوء، وخاصته بالطمأنينة، وأثره بالقرار، وقوته بالنفس؛ وكأن من فيض العلة الأولى وجوده، لأن هذا النعت لكل ما دونه، فالاستعارة له بالواجب والحقيقة، والسكون عند العقل عدم الحس، والحركة عند الحس تأثير العقل.وأطال إطالة شذ بها عني أكثر قوله.وسمعت أبا سليمان يقول ما هو رفد لهذا القول وجار معه: فإن سكون العقل في نوع الحركة، وحركة الحس في نوع السكون، لأن حركة الحس إلى الاضمحلال والنكول، وسكون العقل إلى الكمال والمحصول. وقال: إنما الحركة التي نعتقد لها ضداً، أعني السكون، هي الحركة التي للقفار وبلاد الحس، فأما الحركة لنوع السكون فلا ضد لها بوجه، لأن العقل كل بمعنى واحد، وواحد بمعنة كل. وله هذا باشتمال العلة الأولى عليه واقتباسه منها، وقد وضح أن السكون عدمها، فكيف يكون ههنا وجود؟ قيل له في هذا المكان: فالعالم ساكن أو متحرك؟ فقال: لو كان متحركاً الحركة المعروفة لقلق وارجح، ومال وتهافت، ولو كان ساكنا لبقي ذلك على حال، ولكنه متحرك حركة استداره، فلذلك ما يظن به السكون. وساكن لسكون قابل للفيض، فلذلك ما يظن به الحركة. فالتشوق حركة، ولكن عقلية. والدوام على التشوق سكون ما، ولكن عقلي، فكل ما قد فاض من العلة الأولى ويقبله المعلول الثاني، وهو موجود على مراتبه المتباينة ودرجاته المختلقة، بين الطرف الأدنى إلى الطرف الأقصى ومع ذلك فقد وقف الجميع تجاه كل متصفح، وقبالة كل باحث، فليس بذهب من جميع ذلك بشيء إلا بسوء الاختيار، وقلة الإقتداء بالأفضل الأخيار حفظك الله، ولو انتفعنا ببعض هذه الفقر الكريمة سعدنا ونلنا منيتنا، فسل ربك ذلك بالتضرع إليه، والخضوع بين يديه، مع العبادة الدائمة، والبحث اللطيف، والتؤدة المعتادة، والإحسان إلى البرية، فإنك تعطي بغيتك، وتبلغ غايتك، وتنول سعادتك، إن شاء الله تعالى. المقابسة الرابعة والثلاثون في أن الموجود على ضربين موجود بالحس وموجود بالعقل سمعت البديهي يقول وكان صحب يحيى بن عدي دهراً، وهو حملني بدعوته اللطيفة إلى مجلسه: من البين أن الموجود على ضربين: موجود بالحس وموجود بالعقل. ولكل واحد من هذين الموجودين وجود بحسب ما هو به موجود، إما حسي، وإما عقلي. فعلى هذا ألنفس لها عدم في أحد الموجودين، وهو الحسي. ولها وجود في القسم الآخر، وهو العقلي. وقد كان الدليل على هذه الحال حاضر في هذا العالم، وذلك أنها كانت تنقله وتستنبطه وتعقل وتستبطئ وتنظم المقدمات، وتدل على ينابيع المعلومات، وتعلو إلى غاية الغايات. وليس للحس معها شركة، ولا له عندها معونة ومادة، فكيف لا تكون النفس التي هي عنوان كتابتها، وصريح كنايتها، وفاضل عنايتها، بعد مفارقة القشور والحواجز، والحيطان والحواجب، والغواشي والملابس، عن الحس أغنى، وبجوهرها أعلى، وبخاصتها أسنى؟ وهذه الاشياء عنها أبعد، وعن شرفها أهبط؟ وهل هذه الشهادة إلا عادلة، وهذه البينة إلا مقبولة، وهذا الحكم إلا مرضي، وهذا المثال إلا بين؟ ثم قال: ولطائف الحكمة لا يصل إليها الحس الجافي، والغليظ الفدم، والجلف العبام، والهلباجة العلفوف ، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه، واتسع فكره، ودق بحثه، ورق تصفحه، واستقامت عادته، واستنار عقله، وعلت همته، وخمد شره، وغلب خيره، وأصل رأيه، وجاد تميزه، وعذب بيانه، وقرب إتقانه. قيل له: هذا عزيز جداً الآن؟! واتباع في هذا الفن وتمطي، وحاز كل غاية وتخطى. ومحصولي من ذلك ما سمعته الآن، فسر نفعنا الله به، وحلانا بأزينه، وأسعدنا بقبوله. المقابسة الخامسة والثلاثون في عجيب شأن أهل الجنة وكيف لا يملون النعيم والأكل الخ سمعت أبا إسحق النصيبي المتكلم وكان من غلمان جعل يقول: ما أعجب أمر أهل الجنة؟ قيل: وكيف؟ قال: لأنهم يبقون أبداً هناك لا عمل لهم إلا الأكل والشرب والنكاح؟! أما تضيق صدورهم؟! أما يكلون؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يأنفون؟! أما يضجرون؟! وأخذ في هذا وشبهه يبوح مستعظماً؟! وكان يقول بتكافؤ الأدلة، ويجيب عن أكثر الناس ويفاتح فيه ابن الخليل ويناقله عليه، ولعمري إن من طلب طمأنينة النفس، ويقين القلب، ونعمة البال، بطريقة أصحاب الجدل وأهل البلاء، حل به هذا البلاء، وأحاط به هذا الشقاء. والكلام كله جدل ودفاع، وحيلة وإيهام، وتشبيه وتمويه، وترقيق وتزويق، ومخاتلة وتورية، وقشر بلا لب، وأرض بلا ريع، وطريق بلا منار، وإسناد بلا متن، وورق بلا ثمر، والمبتدئ فيه سفيه، والمتوسط شاك، والحاذق فيهم متهم؛ وفي الجملة آفته عظيمة، وفائدته قليلة. نعم، فا عدت على أبي سليمان قوله بنصه، وحكيت له شمائله فيه، فقال في الجواب: إنما غلب عليه هذا التعجب من جهة الحس لا من جهة شيء آخر، وهكذا كل ما فرض بالحس أو لحظ بالحس. لأنه قد صح أن شان الحس أن يورث الملال والكلال، ويحمل على الضجر والانقطاع، وعلى السآمة والارتداع. وهذا منه في ذوي الإحساس ظاهر معروف، وقائم موجود وليس كذلك الأمر في امعاد إذا فرض من جهة العقل، لأن العقل، لا يعتريه الملل، ولا تصيبه الكلفة، ولا يمسه اللغوب، ولا يناله الصمت، ولا يتحيفه الضجر. وهكذا حكمه في الشاهد الحاضر، والعيان القاهر، لولا عقل النصيبي ونظرائه! ألم يعلم أنه كان في هذه الدار على شوبها وفسادها وكدرها وثبورها كان العقل لا يكل معقوله أبداً، ولا ينقضي منه أبد البتة، ولا يطلب الراحة عنه بوجه، بل كان العقل إذا وجد معقوله وتوحد به، صار هذا قد أحيي، لا يوجد بينهما بين بحال، فكيف إذا كان المنقلب إلى عالمه الصرف الذي لا حيلولة ولا تعير له، وهو الوجود الوجود المحض، والأمر الصرف، والشيء الذي كلما عرفته بالصفة بعد الصفة، كان عنها أعلى، وكلما أوضحته بالعبارة بعد العبارة كان عنها أخفى.وأطال هذا الفصل وعلقت من جميعه قدر ما قررته في هذا المكان، ولعلك تجد به ما أكون منصوراً فيه عندك، غير ملوم على إساءتك، وفي الجملة القول في حصول النفس بعد خلع الحد الذي خص به الإنسان صعب، ولولا أمثلة توضح إيضاحاً يثق به الإنسان مرة بعد مرة لكان باب معرفة حالها قد أرتج، والطريق قد سد، وقد بين هذا كله بالبرهان المنطقي في مواضعه المعروفة، إن كانت الثقة تقع كذلك، فأما هذا المقدار فإنه جرى في عرض مقابسة هؤلاء المشايخ بينهم بالحديث والاسترسال، فليكن العذر فيه مقبولاً عندك بحسب الحال التي قلبت ظهرها لبطنها لك، مرة بعد أخرى، فهذا الولوع من بالاعتذار إحساس بالتقصير، أما من جهتي فلسوء الرواية، وأما من جهتك فلقلة الدراية، فأنا أسأل الله رب العالمين أن يفرغني لبلوغ غاية هذا الأمر بقية عمري، فإنها فيما إخال قليلة، وما يرجو المرء بعد الالتفات إلى خمسين حجة قد أضاع أكثرها، وقصر في باقيها؟ إذ أراد الله نجاة عبد تولاه بلطف من عنده. المقابسة السادسة والثلاثون في أن الحق الأول منبجس الأشياء ومنبعها سمعت النوشجاني يقول: البارئ الحق الأول والأحد منبجس الأشياء كلها ومنبعها، عنه تفيض فيضاً، وفيه تغيض غيضاً، لا على حد اللفظ الذي يرسم في عن فصلاً، وفي في وصلاً، بل على حد العقل الذي بالشيء على الشيء من غير إثبات بينونة، ولا تأسيس كينونة، فإن الأشكال والحدود من الأقوال والأغراض منفية في ساحة الألهية، لكنها رسوم محركة للنفوس تحريكاً، وكلمات مقربات من الحق تقريباً، تبلغ بالسامع إلى ما وراء ذلك كله تبليغاً، وكلما كانت هذه الرسوم أتم وأحسن، والكلمات أبهى وأبين، كان التحريك ألطف، والإدراك أشرف. ولهذا ما يضرب عن بيان إلى بيان، ويؤثر كلام على كلام، ومثال هذا التحريك حاضر من الأشكال والخطوط والصور والنقوش. ثم قال: الوحدة شائعة في جميعها، ومحيطة بها كلها، ومشتملة عليها بأسرها، فصارت على هذه الأشياء بالوحدة تتشاكل وتتكامل، وبالكثرة تتخالف وتتفاضل، فالمعنى بالتصفح المولع بالتعرف، قد يلوح له تارة كالمركز من المحيط، وتارة كالمحيط من المركز، وتارة كالدرة في النحر، أعني بهذه الفقر ملائماً بينهما، فافطن له. فإذا لحظ الأول فكأنه صادر مع الصوادر، وإذا الحظ الثاني فكأنه وارد مع الموارد، وإذا لحظ الحشو بين الطرفين فكأنه كل هذا وكل ذاك، ومن أجل الإحاطة الشائعة والاشتمال الأول ما انقسم المطلوب عند الطالب بين المحيط والمركز انقساماً مفروضاً لا محقوقاً، فالنسبة على هذا واحدة، والوصلة ثابتة، ولكن القوابل مختلفة، والوجوه والأمكنة متباينة النواحي والأزمنة، فعلى هذا تختلف الفروع، والراجعة إلى الأصل المبدئ للفرع.وهذا كلام غامض من وجه، ومن رجع إلى فطنة ربانية، وقريحة صافية، لحظ من هذا أكثر مما ضمنت العبارة، وأتت عليه الإشارة. المقابسة السابعة والثلاثون في أن الإنسانية أفق والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع قال أر سطو طاليس فيما ترجم من كلامه عيسى بن زرعة المنطقي البغدادي أبو علي : الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه إلا إنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية، ومن رفع عصاه عن نفسه وألقى حبله وسيب هواه في مرعاه ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان لبن العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلى أرذل من البهيمية لسوء إيثاره.هذا آخر ما ترجمه من هذا الفصل، وهو كما ترى وعظ بحكمة، وإيقاظ برأفة، وتعليم بنصيحة، وإرشاد ببيان. لو روى هذا الحسن البصري ومنصور بن عمار وضرباؤهما ما زادا على ذلك، وقد اتفقت آراء الأوائل كلها على إصلاح السيرة، وتصحيح الاعتقاد، والسعي فيما أثمر وأجدى، والإعراض عن كل ما شغل البال وأثار الشهوة، لتبلغ النفس غايتها وتسعد في عاقبتها، ولا يكون لها عكس في هذا العالم، ولا تردد على ما قد خوف من ذلك كثير منهم، والسلام. المقابسة الثامنة والثلاثون في معنى قولهم العقل يحرم كذا ونطق بكذا قلت لأبي علي هذا ما معنى قول القائل: العقل يحرم كيت وكيت، العقل نطق بكيت وكيت؟ فقال: معنى ذلك استحسانه الحسن واستقباحه القبيح، والاستحسان تحسين لك، والاستقباح تقبيح عليك، والتحسين إطلاق، والتقبيح حظر، وإنما كان هذا من العقل هداية لذي الطبيعة، لأنه يمر مع الأول، والطبيعة هي معنا من لدن خلقنا، فإذا استحكم سوء أدب ذي الطبيعة وطال انفسد حتى يصير كأنه بعض هذه البهائم في الجهل، أو بعض هذه السباع في التنزي والوثوب، وكان في الأصل محدوداً بالنطق، ويسر أمره، وأظهر مكنونه، وذلك كله تنبيه العقل وتحريكه، وتحسينه وتقبيحه، فمن استجاب كف عرام طبيعته، وأمات هائج شهوته بالتدريج والترتيب، ليكونه ممن إصغاؤه إلى نصح العقل وهدايته أتم، ويكون استضاءته بنوره أشمل وأعم، فلهذا كان للعقل تحريم وتحليل، وحظر وإباحة، ومنع وإجازة، وكف وحث، وإطلاق وقيد، وحبس وبعث، لا على ما يظنه من لا خبرة له بالحقائق، ولا استجابة له عند داعي الرشد. المقابسة التاسعة والثلاثون في كيف يفعل العاقل اللبيب ما يندم عليه؟ قيل لأبي سليمان: كيف يفعل العاقل اللبيب والحازم الأريب، ما يندم عليه؟ وكيف يقدم على ما يعقبه تبعة، ويأتي ما يأباه بعقله، ويكرهه بدينه، ويعافه بمروءته، وينكره بعادته، ويمنع منه غيره بنصيحته؟ هذا مع اختياره الذي هو إليه، واستطاعته التي هي حاصلة لديه ، و مع عقله الذي هو كاللجام والزمام، والقاضي والإمام؟ فقال: الاختيار والاستطاعة، القوة والقدرة، والحزامة والعزيمة، والرأي والروية، والشهامة والصريمة، والتحصيل واليقظة، وكلما كان في قبيلها، وجارياً في حلبتها، ومشاكلاً لها، ونازعاً إليها، وداخلاً في حرمتها، ليست هي للإنسان على طريق الملك يصرفها كيف يشاء، ويقلبها كيف يريد، بل هي له من جهة التمليك، فلو كانت على جهة الملك ما زل زلة ولا ضل ضلة، ولا ندم ندامة لاذعة، ولا التزم مؤلمة موجعة، ولا زحم زحمة موحشة، ولا نكص على عقبيه متحيراً، ولا بقي منكساً مبهوراً، متى كانت عنده على وجه التمليك من مالكها، بقيت منها بقايا عند مالكها متى شاء تمام فعله أمده منها بما يتم له فعله، لئلا يظن ظان أن ذلك لاستقلاله بنفسه، وكماله بقدرته، واستغنائه عن مملكته، بل يتم له شيء ليرتاح له ويشكر مقيضه لينيله بلاغه أم بانقطاع شيء آخر ليفزع إلى ربه ويلوذ به بمسألته، ويتبرأ من حوله وقوته، ومن علمه وبصيرته، ومن جلده ونجدته ومن أنفته وشيمته، ويلوذ بمن هو أولى به، ويستمد ممن هو أملك له، ويستأمر إلى من هو اقدر عليه، ويلقي مقاليده كلها إليه، ويطرح كله بين يديه؛ وهذا بيان في موجب الربوبية ومقتضى العبودية، لا ينكره إلا من لا يبالي الله به في أي واد هلك، وبأي ريح انتثر، وفي أي بحر غرق، وفي أي غثاء طاح.قلت له: هذا كلام على الصالحين وأهل الديانة من أصحاب الشرائع.قال: يا بني لا تعجب من هذا، فالأنبياء والأصفياء ومن دونهم يدندنون حول خلوص النفس في العاجلة، وخلاصها في الآجلة، والقول وإن اشتبه والإشارة وإن غمضت، فالمراد بين والمطلوب متيقن، وهل الحكمة إلا مولدة الديانة؟ وهل الديانة إلا متممة للحكمة؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس؟ وهل الديانة إلا سيرة النفس؟ وكنت قد حدثتني عن شيخكم الحضرمي الصوفي أنه قال: النقب كثيرة، والعروس واحدة. فقد ارتفع التناقض وسقط التنافي! وإنما قطعت هذا الأمر في طلب الحياة الدائمة التي لا شوب فيها من ألم، ولا عارض من أذى، ولا خوف من انقطاع. المقابسة الأربعون في أن العلم حياة الحي في حياته والجهل موت الحي في حياته قال أبو بكر الصيمري، لجماعة عنده ونحن في طاق الخواني في الوراقين وقد ذهب به القول في كل عروض، وجذبه إلى كل باب: العلم حياة الحي في حياته، والجهل موت الحي في حياته، فإذا كان الجاهل ميتاً في حياته فماذا ترى يكون بعد مماته؟ وإذا كان العلم حياة الحي في حياته فلا شك أنه يكون حياة له بعد وفاته. ثم قال: العلوم الآلهية في السر لأنه بساط العمل الصالح، والحق المعتقد، والخلق الطاهر، والطاعة الحسنة، والراحة في المعاقبة، ومن عري من العلم ولزم العمل، كان كخابط عشواء، ما يفوته أكثر مما يجده، وما يفسده أكثر مما يصلحه؛ ومن لزم العلم وخلا من العمل، كان كلابس ثوبي زور. والعلم فنون، وأشرفه معرفة الحق الأول، والعلم قوام المعقول، والعمل قوام المحسوس، ولولا المحس لا ستغنى عن العمل، لأن العمل إنما هو رياضة النفسين اللتين تعاندان النفس الناطقة، أعني الشهوية والغاضبة، فأما العلم فهو كله في تقديس المعقول بالعقل والتشوق إليه، وطلب الاتصال به، والفرق في بحره، والوصول إلى وحدته، والعمل مقوم للقوى التي تريع كثيراً بالزيادة والنقصان، وبالخمود والهيجان؛ والعلم مبلغ إلى الغاية التي لا مطلوب ورائها، والعمل مهيئ لك نحو المسلك إلى سعادتك، والعلم مشرف بك على سعادتك، والعمل يوصل، والعلم وصول، والعمل حق عليك لا بد من أدائه، والعلم حق لك لا بد لك من اقتضائه والعلم كله نور وأنواره ما أضاءك وسطع عليك وأسفر بك وجلاً عن حقيقتك، وتحلى بعقيدتك ونحي قشورك عنك، وأبرز لبك منك، وصقلك وصفاك وزينك، وأبهجك ونورك، واهلك لدرك حدك، وأحلك دار كرامتك وقرارك، وصار ألصق بك من شعارك ودثارك، هناك تبقى ولا تبلى، وتغنى ولا تضنى، هناك الواصل والموصول، والعالم والمعلوم، والعاقل والمعقول، في فضاء الوحدة، ومغاني القدس، وخطة الراحة، ومراد الطمأنينة، والجدة والثقة والسكينة، وعرصة آلهية لا تفرقه ولا تمييز، ولا كثرة ولا اختلاط، ولا تمازج ولا اختلاف؛ حال تجل عن إمارات الحال، وأمر يلطف عن رسوم الأمر، على هذا سكبت العبرات، وطالت الزفرات، أتظن أن الرقي في سلاليم المعرفة، والتناهي في غايات التوحيد، هين سهل، وقريب ممكن؟ هيهات أن يكون ذلك كذلك، ولكن لواحد بعد واحد، يخص به الواحد، في عالم بعد عالم، وفي دور بعد دور.وكان كلامه أطول من هذا وأشفى، وهذا حاصل منه، والله أسأل تقبله والوفاء به والقيام عليه. المقابسة الواحدة والأربعون في أن المغمض من الحكماء يدرك ما لا يدركه المحدق من الدهماء قال أبو الحسن العامري : إن المغمض من أرباب الحكمة يدرك بفكره ما لا يدركه المحدق ببصره من غيرهم. وذلك أن الحس محطوط عن سماء العقل، والعقل مرفوع عن أرض الحس، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه، ومجال العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره. والحس ضيق الفضاء قلق الجوهر، سيال العينن مستحيل الصورة، متبدل الاسم، متحول النعت. والعقل فسيح الجو، واسع الأرجاء، هادئ الجوهر، قار العين، واحد الصورة، ثابت الجسم، متناسب الحلية، صحيح الصفة. والفكر من خصائص النفس الناطقة. والنطق في النفس بتصفح العقل بنور ذاته، والحس رائد النفس بالوقوع على خصائصه. وكما قد صح أن الحس كثير الإحالة والاستحالة، فكذلك قد وضح أن العقل ثابت على ما له في كل حالة. والحس يفيدك ما يفيد في عرض الآلة التي أصلها المادة؛ والعقل يفيدك ما يفيد على هيئة محضة، لأنه نور.قيل: لم! ألسنا نرى عاقلاً يتحول من معقول إلى معقول، وينتقل من رأي إلى رأي، وينصرف من معتقد إلى معتقد؟ فهل هذا إلا لأن السيلان الذي ادعى في الحس تدرب إليه وعمل فيه؟ وما هكذا يرى من اعتقد معتقداً بشهادة الحس! فإنه أثبت رأياً، وأرسخ يقيناً، وأظهر سكوناً، وعلى هذا: ألحس يفيد العلم الذي تسكن معه النفس. والعقل يفيد العلم الذي كأنه مظنون؟ فقال: هذا كلام من لم يرتض بحكمة القدماء، ولم يرتق عما عليه العامة والضعفاء؛ والأحساس حفظك أو من إليه من جهة النفس لا من العقل ولا من جهته، وليس لها حكم على شيء من أحواله إلا من جهة النطق النفسي، والذي يوضح هذا أن البهائم كلها ذوات إحساس قوية، وليس لها قضايا منها ولا نتائج بها، لأنها خادمة للقوة القاضية بالحق، الدالة على الصحة، المفضية إلى المقدمات، المستخرجة للثمرات، وإنما وقع لك هذا القول لأنك ظننت أن ما يعتقده كثير من الناس الذين يظنون بأنفسهم أنهم خاصة من ناحية الحق؟ بل ليس الأمر كذلك؟ لأنهم يعتقدون أشياء ممزوجة مشوبة مختلطة كدرة يحكمون فيها أحلام العقل وسماء دره ومحايله، يأخذونها من أشباح الأمور وصفحات الأحوال وظواهر الأشياء، ولذلك ما يزولون عنها بشرعة، ويستوحشون منها عند كل شبهة، وليس كذلك الفلسفة، فإنها علم العلوم، وصناعة الصناعات، لا تعطيك في موضح الشك اليقين، ولا موضح الظن العلم، ولكها تعطيك في كل شيء ما هو خاصته وحقيقته، إن شكا فشكا، وإن يقيناً فيقيناً.وسنصل بهذه المقابسة في الكتاب ما يكون بياناً وشاهداً بصحته، ولو أن هذه الأوراق اشتملت على نكتة ما فيها فقط، وكان ذلك لا ينكر أنه كاف في معناه، موف على أقصاه، لأن بحر هذا العلم عميق، وقيمته غالية، ولكنا وصلنا نكتة بنكتة، ومقابسة بمقابسة، تذكيراً للعالم، وتفريجاً للنفس، واستدعاء للنشاط، ودلالة علة مواضع السعة والغزارة، ولا تصل منها إلا وهو يوفي على كتاب ضخم إذا حويت على كل ما فيه وكل ما يتعلق به ويصرف فيه وشبهه، فإذا عتبت علي أبقاك الله في بعض التقصير فقارب وأقصد، فلم أضمن لك خلوص ما أقوله عن بعض الشوائب، وإنما عزوت ذلك كله إلى هؤلاء الأعلام الذين كانوا مذكورين في الوقت من غير أن استبددت بشيء عليهم، إلا بما لا بال به، ليحسن ظنك ويقل تعبك بها في تهجينهم، والله يعينك بلطفه، ويواصلك بتوفيقه، إنه قريب مجيب. المقابسة الثانية والأربعون في معرفة الله تعالى أضرورية هي أم استدلالية؟ قيل لأبي الخير حدثنا عن معرفة الله تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافاً شديداً، وتنابذوا عليه تنابذاً بعيداً، ونحب أن يحصل لنا جواب فيفسر على حد الاختصار مع البيان؟ فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، قال: وهذا هو الشاهد والغائب. وساغ أن يظن مرة أن معرفة الله اكتساب واستدلال، لأن الحس يتصفح ويستقوي بموازرة العقل ومظاهرته وتحصيله، وأن يظن تارة أخرى أنها ضرورة. إن العقل السليم من الأفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه بجحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل، لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس، وذلك أن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه، فأما ضرورة العقل فهي لطيفة جداً لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويحقق.وكان بعض أصحابنا في الوراقين ببغداد يضرب في هذا مثلاً: زعم أن مثال الحس في هذا كامرأة حسناء متبرجة، ذات وقاحة وخلاعة، قد جلست إلى شاب طرير، له شطر جمالها، وعليه مسحة من حسنها، تخدعه بحديثها ، وتراوده عن نفسه لنفسها، وتبدي له محاسنها، وتطمعه في تمكينه منها، وتستعجله في حاجتها، وتحثه على قضاء اللذة والوطر منها؟ فأما مثال العقل فكأنه شيخ هم قاعد على بعد، ليس به نهضة للزحوف إليه والحيلولة بينه وبين ما نزل به من صاحبته الوقحة الفاضحة، إلا إنه مع ذلك يصيح ويتأوه وينادي بصوت يحرك رأسه ويبسط يده، ويعظ ويلطف، ويعد ويخوف، ويضمن ويرفق، ويشفق ويحنو، فأين تأثير هذا الشيخ الهم المحطم من تأثير هذه الخالبة الغالبة المحتالة المغتالة؟ هذا مع قلة إصغاء الشاب إلى الشيخ وسيلانه مع هذه. وأراد بهذا المثل، الفرق بين العقل فيما يدعوك إليه لتسعد، والحس فيما يكلمك عليه لتشقى، هذا في جميع ما يزاوله ويحاوله ويهم به ويتوجه نحوه، فعلى هذا فإن الله تعالى وتقدس معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيراً ولا يثبت أصلاً، فمن استدل ترقى من الجزئيات، ومن دعى الاضطرار إنحدر من الكليات، وكلا الطرفين قد وضح بهذا الاعتبار، وكفى مؤنة الخبط والإكثار، وهكذا كل شيء يطلب أصله وفصله بالنظر الفلسفي، والبحث المنطقي، والاقتراء الإلهي، فأما ما ينظر منه في الجدال فلا يرث الإنسان منه إلا الشك والمرية، والحسبان والظنة، والاختلاف والفرقة، والحمية والعصبية، وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة، أخذ الله بأيدينا وكفانا الهوى الذي يؤذينا، وصنع لنا بالذي هو أولى به منا والسلام. المقابسة الثالثة والأربعون في أن الطبيب أخو المنجم وشبيهه قال العامري : الطبيب أخو المنجم، ونظير له وشبيه الحال به، وذاك أن الطبيب قد يرسم بأنه حفظ الصحة بالتدبير المحمود، وأزال العلة بالرأي الصحيح. وكمال علم الطب أشرف من موضوعه، وموضوع علم النجوم أشرف من كماله. أو الصناعة محتملة للحيلة والزرق. كما أنها راجعة إلى الصحة والحذق، وقد يتفق في زرق الزارق صواب كبير، كما يعرض في حذق الحاذق خطأ يسير؛ وللحيرة بين هذين الإتفاقين مجال، وللمعترض عليها مقال، وفصل الحال بين الرجلين صعب، والخطب مشكل. وليس للمصيب بالزرق أن يجعل ذلك قاعدة وأساساً؛ ولا للمخطئ أن يقطع منه يأساً.قال: وقفت هذه الصناعة هذا الموقف، وتدرجت هذا التدرج، لأن الله تقدس كما أراد بالعافية والبرء والسلامة والنجاة إنعاماً وامتناناً، كذلك أراد بالعلة والمرض واليأس اختباراً وامتحاناً، ثم أشاع الله العلم بالطب تعليلاً للطبيب بسبب رزقه منه، وتعليلاً للمريض بسبب تخفيفه عنه، فكلا الرجلين، أعني المعافى والعليل إلى غاية مضروبة، على أسباب محسوبة وغير محسوبة، ولو عافى الله تبارك وتعالى بالطب أبداً لا تخذ الناس الطبيب رباً، ولو لم ينفع بالطب أحداً لهجر الناس الطب هجراً، بل جعله علالة مرة مع إحصاء أيام العافية، وسبب العافية مرة مع التنبيه على موقع النعمة ولذع البلية.قال: وما هذا مرده ومرجعه إلى أمر الدار وما أسست عليه. ودبر أهلها به، وصرف سكانها فيه، فمن لم يفتح بصره لم ير ما فوقه ولا ما تحته، ولا ما عن يمينه، ولا ما عن يساره، كذلك للغيب سبحاً لم يطلع على سر هذا الشاهد، ومكنون هذا الجلي، وباطن هذا الظاهر، ومعقول هذا الذي تم عليه الحس، وخفي هذا الذي وقع عليه الحدس. قال: والمرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال، والغنى والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب، والعلم والجهل في القلوب بمنزلة العمى والبصر في العيون، والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشك واليقين في الصدور، والشك واليقين في الصدور بمنزلة الغش والنصح في المعاملات، والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال، والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب، والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال، والخير والشر في الأفعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع، والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الهجر والوصل في العشرة، والهجر والوصل في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الأشياء، والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الأمور، والصلاح والفساد في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب، والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصورة، والقبح الحسن في الصورة بمنزلة العي والفصاحة في الألسنة، والعي والفصاحة في الألسنة بمنزلة الأعوجاج والاستقامة في الأعضاء، والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة الحياة والموت في الأجساد، والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب. فما أحوج هذا الإنسان بعد قيام هذه الأمور إذاعته ومحله وصرفه إلى يقظة بها يكيس في معاشه، ومنها يقتبس لمعاده، ويقتنى ما يحمد ريعه وجدواه، ويجتنب ما يصير سبباً لشقائه في عقباه؟ فباب الخير مفتوح، وداعي الرشاد ملح، وخاطر الحزم معترض، ووصايا الأولين والآخرين قائمة، ومزاحمتهم موجودة، والخوف عارض، والأمن مظنون، والسلامة متمناة. فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؟ بلى يعلم، ولكن علماً مدخولاً، ويعقل، ولكن عقلاً كليلاً، ويحس ولكن حساً عليلاً، كما قال الأول: أشكو إلى الله جهلاً قد منيت به بل ليس جهلاً ولكن علم مفتون واعلم أن الغرض كله من هذا الكتاب، وجميع ما اثبت عن هؤلاء الشيوخ، إنما هو في إيقاظ النفس، وتأييد ألعقل، وإصلاح السيرة، واعتياد الحسنة، ومجانبة السيئة. فاستصحب الغرض بالنية الجميلة فلعلك تؤهل للفلاحة والسعادة عند توزيع هذه الجملة المشتبكة، وانحلال هذه الحبائل المنعقدة. المقابسة الربعة والأربعون في معنى الإمكان وما قيل فيه رأيت فضلاء من الفلاسفة، وهم الذين قد نوهت بأسمائهم مراراً يكثرون الخوض في معنى الإمكان، ويتداولون المسئلة والجواب فيه، وقد اقتبست منهم ما رسمته في هذا الكتاب، على طريقة قريبة وألفاظ معهودة، فأشركني في تقبل الفائدة إن كنت طالب فائدة، ولا تسبق إلى الاستحسان والاستقباح، والتخطئة والتصويب، قبل التفهم والتصفح، والتقليب والتنقير، فإنها مسئلة صعبة.فمن ذلك قول القائل: زعم أن لا طبيعة للمكن وإنما هو موقوف على فرض الفارض، ووهم الواهم، ووضع الواضع، وظن الظان، وليس كالواجب الذي هو ثابت على وتيرة واحدة، وجديلة محدودة معلومة، والحد قائم الطبيعة، كالممتنع الذي هو أيضاً على هيئة واحدة، لا يرتقي صعداً ولا يتمايل سفلاً. والبرهان على ذلك أن الواجب لا يستحيل ممتنعاً البتة، لا بزمان ولا في مكان، بل لا ينحط الواجب إلى الإمكان، لا معقولاً ولا موهوماً ولا مفروضاً ولا مظنوناً، وكذلك لا يسمو الممتنع إلى الإمكان في حال من حالاته على ما سلف البيان عنه.وقال آخر من هؤلاء الجلة: ما يؤيد هذه المضادة ويحققها ويوضح مشكلاً إن كان عرض منها، أنك إذا قلبت هذه الألفاظ الثلاثة وفحصت عن عناصرها، ورتبت معنى كل اسم منها، من جهة وزنه وترتيبه وصفته وخلقته، وجدت وجوهها المختلفة دالة على معانيها المختلفة، وذلك أنك إذا قلت: هذا واجب، وهذا الوزن وزن فاعل من جهة اللفظ؛ وإنما قلت من جهة اللفظ. قال: لأن الفاعل من جهة المعنى مقتضى لمفعول، والواجب مثبت لنفسه عما يكون هو به مفعولاً، وعما يكون هو له فاعلاً، والفاعل من المضاف، وكذلك المفعول، ليس الكلام فيهما. وإذا اعترض من ناحية وزن الاسم وتبرأ من كل صفة موهومة هذا التبرؤ، ولقيامه بنفسه واستغنائه بجوهره وكماله بذاته، أعطى المؤنة الأولى والحد الأعلى. والممتنع إذا قلبت معناه من ناحية وزنه وجدت فيه معنى من معاني الانفعال ونظائره، فالبينة تشهد بذلك. وهذا نظر يستهلك نظر النحوي ويوفي عليه، لا بل فوقه في الشرف وإن كانت قوة النحو مقتصرة وشهادته مستعارة له، فكأنه قد استضاف فعلاً ما إلى نفسه، كما استضاف محتمل ومشتبه وملتبس ومقتصد، وتقرين هذا لطيف إلى التقريب دوه ما طال وامتد، وكما استوفى الواجب الصورة بالكمال استيفاء وجود، انتفى الممتنع من الصورة في كل حال انتفاء عدم، فليس في الواجب من أجزاء العدم شيء، ولا في الممتنع من أجزاء الموجود شيء، وبالاضطرار لفظنا بآخر الممتنع. ثم إن الإمكان بعد هذا كله استعارة من الواجب شبها، واقتطع منه ظلاً، السعار أيضاً من الممتنع شبهاً، واسترق منه ظلاً. وذلك هو عدم ما. فصار من أجل الاستعارة والاستراق ينقسم إلى مراتب ثلاث: إلى الأكثر، والأقل، والأوسط.فقال بعض من حضر هذه المقابسة: العجب أنه أخذ الشبه من اثنين وانقسم إلى ثلاثة؟! فقال له قائل في الجواب: إنه قد أخذ الشبه من الواجب في الأغلب، لقوة الواجب في صحة نفسه وثبات جوهره وصفاء عينه، وفي الأقل أخذ من الممتنع، وقوة الممتنع بإزاء قوة الواجب وضعاً وتمثيلاً، وقد تقاسمت القوتان الطرفين على تغايرهما، ألا ترى أن الكثرة من الموجود، والقلة من العدم؟ أعني أن صورة الوجود في الكثرة أظهر منها في العدم، والوجود بأسره في الوجود، والعدم في الامتناع، ونفي ما هو بهما أعني ما ائتلف من الشبه المأخوذ من الواجب، والشبه المأخوذ من الممتنع، لأنه إذا وفى ما قد استعاره من الشبه من الطرفين، وفي أيضاً ما له بالتوسط. واختلاف أبنية هذه الكلمات دليل بين وحجة واضحة على تفاوت ما بينها من الحقائق. فإذاً ألأمكان قد خلا من طبيعة يستقل بها، وعرى من صورة ينسب إليها، وعاد وحكمه حكم المركبات في الحس، والمفروضات بالوهم.قال: ومما يزيد ما يمضي من القول وضوحاً أن الواجب لا يقف على إيجاب موجب في وجوبه، والممتنع لا يقف على منع مانع في امتناعه. فإن عرض في نفسك الواجب فاعلم أنه قد اقتضى شيئاً ولكنه الموجب، واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي لضامنه ما يقتضيه شيء آخر. وهكذا المانع في قياد ذلك قد اقتضى الممنوع واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي منه أيضاً ما يقتضيه شيء آخر. وخرج حكم الممكن من الحكم الذي للواجب، والحكم الذي للممتنع، لأن الممكن كأنه الطالب لكانه والداعي لنفسه، فيكون مكاناً. وهذا كله لتقلقه في قضائة وقلة استقراره في بابه، لأنه عادم لحده وطبيعته، وإنما يغلب عليه تارة ما يغيره الواجب من نفسه وصورته، فيصير الإمكان القريب من الوجوب في الوسط، لا يظن به رفع إلى جانب، ولا انحراف لمكان الواجب عن الحقيقة، عن الكثرة والقلة والانقسام والعلة، وعن استعارة صورة عن ذي صورة. فصار الممكن المنقسم إلى الكثرة والقلة والوسط. لأن الكثرة والقلة قدران، وإذا بطل ما يكون ذا قدر بطل القدر. ومما جرى بين هؤلاء الأفاضل في هذا الفصل ما يدخل في حاشية هذا الكلام الذي قد أعجزني عن أدائه على وجهه بالقسطاس المستقيم سوء التأتي فيما يحقق المراد ويحط ثقل الهم. وقول آخر: إن الواجب واجب أن يكون واجباً،، والممكن واجب أن يكون ممكنا، الممتنع واجب أن يكون ممتنعاً. فالوجب صورة الجميع، لأنه نعت للعلة الأولى. وأما الإمكان والامتناع فإنه يشار إليهما بعد الاعتراف بالوجوب الذي قد نفذ سلطانه فيهما وملكت سمته جملتهما واحتوت صفته عليهما. والواجب لطبيعته لم ينقسم، لأن الوحدة إلى الكثرة وتشعبت عما هي عليه في الحقيقة، وكذلك الممتنع، لأنه يكون في الطرف الآخر يعطي صورة الانتفاء من نفسه توقيراً لحد الواجب. ولا ضير أن يختصر لهذه الجملة مثال يكون كالوحي إلى الحق لئلا يطيح ما طال القول فيه وتتابع البحث عنه، وواجب ا، يكون الفاعل قبل المفعول، وممتنع أن يكون المفعول قبل الفاعل، ويمكن أن فاعلان معاً في مكان، أو منفعلان معاً في زمان، وممكن أن لا يكون فاعلان معاً ولا منفعلان، بل يكون كل واحد منهما منفرداً عن فاعل آخر، وكل منفعل منفصلاً عن منفعل آخر. فهذا كما ترى. مثال آخر: واجب أن يكون الفلك محيطاً بالأرض، وممتنع أن يكون المركز محيطاً بالفلك، ومكن أن يركب الأمير غداً. فلو كان الإمكان حد غير معترف مما تقدم القول فيه، لكان لا يقف على الوضع والفرض والرسم والوهم والظن التخيل، ألا ترى أنك لو نسبت هذا الإمكان إلى الفلك لم يصح! أعني أنه يستحيل أن يقال ممكن عند الفلك وعند الله أن يركب زيد غداً، وفي الأول جاز عندنا ذلك لأنا قلناه تقديراً وتظنيناً ووضعاً وتوهماً! ولا فرض عند الفلك، ولا ظن ولا تقدير ولا توهم أيضاً عند الله، تقدس اسمه وتعالى جده.وقال آخر من جلة القوم: ليس لشيء وجود ولا وجوب إلا الباري الحق، ولا حقيقة إذاً لشيء إلاله، لأنه هو الواجب، وكل ما عداه فإنما هو واجب به وممتنع به وممكن به، والودود الحق له. فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه، فإذاً انسلخ كما عدى العلة الأولى من الوجوب ومن الوجود، إلا على قدر ما يبلغه الفيض ويصل إليه الجود، ويخلص ما هو بالحقيقة وبالتحقيق هو فيه.هذا مبلغ حاصلي من قول هؤلاء المشايخ، وهم الذين نشرت لك حديثهم وذكرت أسماءهم، وذكرت على مقاماتهم مراراً في هذا الكتاب، وجل النظر في هذه المسئلة على ما انفرشت من الفلسفة الداخلة، أعني الآليهة المحضة. فلهذا ما أتفادى من زيادة لعلها تحط قدر المغزى الذي سلف القول فيه، وسقت المعنى عليه، والسلام. المقابسة الخامسة والأربعون في شيء من مذكرات المؤلف مع بعض الأطباء ذاكرت طبيباً شاهدته بجند يسابور بشيء من العلم، فما أذكر تلك المذاكرة، وتلك المسئلة، وتلك الفائدة إلا سنح شخص ذلك الشخص وكان يكني أبا الطيب لعيني، وتمثل في وهمي وحتى كأني أراه قريباً معي، وحاضراً عندي! وطال عجبي من ذلك؟ فرأيت أبا سليمان في المنام فسألته عن الحالة التي قد شغلتني بالتعجب منها، والأمر الذي توالى على من أجلها؟ فقال لي في الجواب قولاً ميقظاً تما التأم من جملته في اليقظة ما أثار اسمه وحاكيه في هذا الموضع.قال: أما تعلم أن المبدأ الأول والأصل والعلة مفتقر إليه بالطبع والضرورة، ومعترف به بالوجوب الذي ليس فيه مرية ولا شبهة؟! قلت: بلى.قال: فالثاني مشعر أبداً بالأول، والأول مشعر بنفسه، والثاني مشعور به أيضاً، ولكن الأول، والأول مع هذا هو الثاني، والثاني هو الأول. ولكن اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق. إلى ههنا يخلص لي ما تبينته، وهو ظاهر كما به قال: لما كان من صدور المذاكرة من جهته وتمت بمطاولته، وحصلت الفائدة بوساطته، إشتاقت النفس وتلبست بصورته، وجداناً منها للمبدأ، ونزاعاً نحو الأول، واستشعاراً للسكون معه، لأنها تعشق بالذات أبداً الأول، ويعشق كل أول للشبه القائمة فيه والشبه الموجودة به من الأول بالإطلاق، فكل مريد من كل ضرب طبيعي وإرادي وفكري وخلقي صناعي وآلهي يحييها ويؤنسها وينفي وحشتها ويعللها، ويستعمل بذلك فوقها، إلى الأول الحق الذي هو أول بالإطلاق، واستكمالها ذلك الشوق هو استدامتها لحالها. وثباتها في صورتها، وطربها على ما حصل لها.والكلام في الأول والمبدأ في كل ما ضرب فيه بسهم وانتهى إليه بوجه لا يمل ولا يمل ولا يشبع منه. ولولا أن بضاعتي في هذا الفن مزجاة، وعبارتي عنه منقطعة، لكان ما يعقل من ذلك ويستبان أبين مرأى وأحلى مسمعاً، وعلى كل حال فقد كتبت ما أمكن التصرف فيه والشغل به، والزيادة على ذلك تقتضي بجزيل القول على تقدير السؤال والجواب والتمثيل والإيضاح، فإن نفس الله الخناق قيلاً وأزاح هماً لازماً، وجمع شملاً منقطعاً، أتيت على ذلك متوسعاً أو أطمت عليه متلافياً، إن شاء الله تعالى. المقابسة السادسة والأربعون في أقسام الموجود قال النوشجاني يوماً في جملة كلام اقتضبه في أقسام الموجود: إن كل صنف من أصناف الموجود في حكم المعدوم لخساسته ونقصه وتهافته وفساد طبيعته، وطموس ضيائه، وقبح صورته، وإمحاء بهجته، وخمود شعاعه، وفقد تمامه، وتقطع نظامه، واستيلاء رذيلته، وبطلان فضيلته، فلا ينكر أن يكون في مقابلة صنف آخر من المعدوم في حكم الموجود بصحة صورته، ونفاسة جوهره، وكمال فضيلته، وظاهر عفته ونجدته، وبهاء همته، وغلبة عدالته، ونقاء سنخه، وصفاء سوسه، وطهارة عينه، وظاهر زينته، دوام نضرته، وتناسب جملته وتفصيله، وسائر ما لا يحيط القول به.قال: والإشارة في هذين الفصلين بينة مكشوفة، ومتى لم تقف عليها من تلقاء نفسك بضياء عقلك وذكاء قريحتك، فصل إليها من جهة أرباب الحمة وأعلام الفلسفة، فإنك متى جربت هذه الأعراض، وتخللت هذه المعارف، وثبت على سمة العدل، تكنفتك الخيرات عاجلاً، والسعادات آجلاً، فتكون حينئذ موجوداً وإن عدمت، وباقياً وإن فنيت، وحاصلاً وإن فقدت، وثابتاً وإن نفيت، ومغبوطاً وإن رجمت، وحياً وإن مت، وظاهراً وإن بطنت، وجليلاً وإن خفيت، وواضحاً وإن أشكلت، وشاهداً وإن غبت، وقادراً وإن عجزت، ومعروفاً وإن أنكرت، وعالماً وإن جهلت؛ هناك تصل إلى غنى بلا قنية، وتنطق بلا عبارة، وتفعل بلا آلة، وتصيب بلا مشورة، وتعقل بلا مقدمة، وتبقى بلا آفة، وتلتذ بلا استحالة، وتنال بلا كدح، وتحيا بلا أذية، وتسعد بلا شؤم؛ آلهية ورثتها من البشرية، وربوبية وصلت إليها من العبودية، ومملكة استوليت عليها بالإنسية، وحال جلت عن رقم قلم وتزويق حبر، واستقصاء بيان، وتخيل وهم.ثم قال: وقد مر الكلام فيما تقدم عن حال الإنسان في وجوده الثاني عن السعادة التي حصلت له، والحبور الذي ظفر به.قال: وإنما تلطف هذا القول عليك لأنك تنظر إلى هذا الإنسان من قبل وهو في أستار الحس، وحد الجسم، وقشور البدن، وتحلل التركيب، وتصرف الطبيعة، وسيلان الطين، وذوبان العنصر. هذا مع سوء الاختيار، وفساد العقيدة، وقلة إيثار العفة والنجدة، والأخذ بالرخصة بعد الرخصة في مساعدة الشهوة، وتسلط الإرادات المردية المهلكة! ومتى يكون لهذا مرجوع وثمرة وفايدة؟ ولعمري لو قدس نفسه، وباين هواه، واختار الحق معتقداً، وآثر الخير مجتهداً، ونال من ضرورات الطبيعة مقتصداً، لانتعشت روحه، واستنار عقله، وذكت بصيرته، وصفت قريحته، وصدق ظنه، ووضح حدسه، وأصابت فراسته، وكان التوفيق قائده، والسعادة غانيته، والغبطة حليته، والبقاء حليفه، والأبد نعته. وما أسهل هذا الوصف؟ على ما أقول، وعليك بالسماع، وما أصعبه علينا جميعاً بالعقل! وكيف لا يكون ذلك صعباً، والإنسان منوط بالطبيعة من طرف، ومضاف إلى العقل من طرف؟ فبالطبيعة يفزع إلى ما هو فساده وهلاكه، وبالعقل يختار ما هو صلاحه وكماله، لكن اختياره ضعيف فيه، لأنه عال في أفق العقل الذي هو موجب الواجب ومحسن الحسن، وإرادته الطبيعة قوية فيه، لأنها ناشئة منه، وكامنة فيه، ومترددة عليه، والنقص على الجمهور في كل حال وأمر. وأن العجب كل العجب ممن يكمل في دار النقص، أو يصح في عرصة العلل، أو يسلم في خطة البلوى، أو يلذ الصاب والعلقم، ويغفل عن غائلتهما وينعم؟! وكان بعض الألهيين يقول: الإحسان من الإنسان زلة، والجميل منه فلتة، والعدل منه غريب، والعفة فيه عرض ضعيف. ومما يزيدك ثقة بما يصرف من القول به نقص هذا الإنسان الذي قد اكتنفه الفساد من كل جهة، وملكه الجهل بكل حال، أنا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد أغن بالكلأ قد استحلست الأرض به خضرة وندى وحسناً، فخف حين خالف عينه في أطرافه وبلغ به العجب إلى أن قال: ليتني كنت بقرة فكنت آكل من هذا كله أكلاً ذريعاً، وهكذا من أعلاه إلى أسفله، ومن أسفله إلى أعلاه. وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف، لا سبيل للعلم إلى تقريره وإلى أدائه على وجهه وحقيقته، واللسان أيضاً لا يأتي على خواصه ومعانيه، وهو متحسر في قوله، على هيئة المجنون، لغلبة الإرادة الطبيعية، وقوة الحركة الحيوانية، وموت العقل الإنساني، وبطلان الشرف الجوهري فلما فشا عنه هذا الحديث وكثر، قال له بعض الفقهاء معنفاً ولائماً ومنبهاً له على خساسته: يا هذا، هل رأيت قط من تمنى وهو إنسان أن يكون بقرة بسبب مكان معشب وكلأ كثير؟! فقال له مجيباً، وهو وادع النفس رخي البال، حاضر الفكر ساكن الطباع: أيها الشيخ، لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت أن تكون كما تمنيت. وهذا يدل على أن الذي أثار شهوته في ذلك المكان لم يكن جوعاً قد توالى، ولا نهمة قد